الشيخ الطوسي
500
العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )
وذهب المعتزلة إلى أنّ معنى النّسخ ( 1 ) ) يصحّ في شكر النّعمة ، لأنّه يجوز أن يفعل المنعم من الإساءة ما يوفّي على النّعمة ، فيبطل الشّكر عليها ، وذلك يصحّ على مذهبهم في الإحباط لا على ما نذهب إليه من فساد القول بالإحباط [ 1 ] ، لأنّ
--> ( 1 ) زيادة من النسخة الثّانية . [ 1 ] ممّا يعدّ من الضّروريّات عند المسلمين كون الكفر يزيل استحقاق ثواب الطَّاعات السابقة ، وأنّ الإيمان يزيل استحقاق عقاب المعاصي السابقة ، كما أنّه لا خلاف في استحقاق المكلَّف للثواب والعقاب الأخرويين إذا تفرّد بالطَّاعة أو تفرّد بالمعصية ، وأمّا إذا جمع بين المعاصي والطَّاعات ففي هذا الحال أمّا أن تتساوى الطَّاعات والمعاصي أو تزيد إحداهما على الأخرى ، ففي صورة التّساوي فإنّ المعتزلة متّفقون على عدم إمكان وقوعها لاستحالة استواء الثواب والعقاب عندهم ، ولأنه يلزم دخول العاصي للجنّة والمطيع إلى النّار ( انظر استدلال القاضي عبد الجبّار في كتاب « شرح الأصول الخمسة » ص 623 ) . وأمّا في صورة زيادة الطَّاعات على المعاصي أو العكس ، فقد اختلف المتكلَّمون في أنّه هل يجوز اجتماع استحقاق العقاب والثّواب من غير أن يزيل ويحبط أحدهما الآخر أم لا ؟ ، فالمعتزلة ترى أنّ الثواب يسقط بوجهين : أحدهما : ندم الفاعل على ما أتى به من الطَّاعات ، والثّاني : إتيانه بمعصية هي أعظم منه ، أي أنّ الأكثر يزيل الأقلّ ويسقطه ، وهذا هو معنى الإحباط والتكفير عندهم ، أي إنّ الأكثر يحبط الأقل ويكفّره . والمبدع لهذه النّظرية هو أبو علي الجبّائي ، فقد نسب إليه قوله : « إنّ من الذنوب صغائر وكبائر ، وإنّ الصغائر يستحقّ غفرانها باجتناب الكبائر ، وإنّ الكبائر تحبط الثواب على الإيمان ، واجتناب الكبائر يحبط عقاب الصغائر . . . » [ انظر مذاهب الإسلاميين للأشعري ط ريتر ص 270 وط مصر ج 1 : 305 ] وبعبارة أوضح حينما يكون العبد مطيعا وعاصيا في الدّنيا فإنّه يستحقّ العقاب والمدح الأخرويين ، لكن في بعض الحالات يكون عظم المعصية بحيث يترجّح جانب المعصية على الطَّاعة ويزيلها فلا يستحق العبد إلَّا العقاب والذّم . وأمّا الرّأي السائد عند الإمامية : فهو عدم التحابط ، وأنّ المكلَّف يعاقب على طاعته ويعاقب على عصيانه ، يقول الشّيخ المفيد : [ أوائل المقالات : 82 رقم 61 ] : « أقول : إنّه لا تحابط بين المعاصي والطَّاعات ولا الثّواب ولا العقاب ، وهذا مذهب جماعة من الإماميّة والمرجئة ، وبنو نوبخت يذهبون إلى التحابط فيما ذكرناه ويوافقون في ذلك أهل الاعتزال » . وقال المصنّف في « الاقتصاد فيما يتعلَّق بالاعتقاد : ص 193 » : « ولا تحابط عندنا بين الطَّاعة والمعصية ولا بين المستحقّ عليهما من ثواب وعقاب ، ومتى ثبت استحقاق الثواب فإنّه لا يزيله شيء من الأشياء ، والعقاب إذا ثبت استحقاقه فلا يزيله شيء من الأشياء عندنا إلَّا التفضّل » انظر : « الأحاديث الواردة في أصول الكافي 1 : باب الذنوب ص 268 و 1 : باب الكبائر : ص 276 ، كشف المراد : المسألة السابعة في الإحباط والتكفير ، مناهج اليقين في أصول الدّين : 352 ، مذاهب الإسلاميين 1 : 298 ، شرح المواقف 8 : 309 » .