الشيخ الطوسي
501
العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )
بالإساءة عندنا لا يبطل شكر النّعمة ، وإنّما يستحقّ بها الذّم والعقاب فيمن يصحّ ذلك فيه لا غير . والقسم الآخر : لا يصحّ معنى النّسخ فيه لأنّه لا يصحّ خروجه عن كونه لطفا ، وذلك نحو وجوب المعرفة بالله تعالى وصفاته ، ونحو وجوب الرئاسة الَّتي نوجبها عقلا ، فإنّه لا يصحّ خروج ذلك أجمع عن كونها لطفا ، فإذا لا يصحّ معنى النّسخ فيها أصلا . فأمّا ما يصحّ معنى النّسخ فيه : فهو كلّ فعل يجوز أن يتغيّر من حسن إلى قبح ، فيقع على وجه فيكون حسنا وعلى آخر فيكون قبيحا ، ويقع في وقت فيكون حسنا ، وفي آخر فيكون قبيحا ، ويقع من شخص فيكون حسنا ، ومن آخر فيكون قبيحا ، وذلك نحو المنافع والمضارّ ، ولا اعتبار في ذلك بجنس الفعل ، بل الاعتبار في ذلك بالوجوه الَّتي يقع عليها الفعل ، وعلى ذلك جميع الشّرعيّات لأنّها قد تكون واجبة في وقت دون آخر ، وعلى شخص دون غيره ، وعلى وجه دون آخر ، ألا ترى أنّ القعود في موضع مباح قد يكون حسنا ثمّ يعرض فيه وجه قبح بأن يخاف سبعا أو لصّا أو وقوع حائط عليه وما شاكله ، فيصير القعود نفسه قبيحا . ولما ذكرناه اختلفت الشّرائع ودخل النّسخ فيها ، واختصّ بعض المكلَّفين بما لم يشترك فيه غيره ، وذلك أنّ الإمساك في السّبت كان واجبا في شرع موسى عليه السّلام ، ثمّ صار قبيحا في شرع نبيّنا صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وغير ذلك من الشّرائع . ويجب على الحائض ترك الصّلاة والصّوم ولا يجب ذلك على غيرها ، بل يكون ذلك قبيحا منه ، فعلى هذا ينبغي أن يجري هذا الباب . فأمّا النّسخ في الأخبار : [ 1 ] فقد اختلف العلماء في ذلك :
--> [ 1 ] النّسخ في الأخبار إمّا أن يكون لنسخ أصل الخبر أو لنسخ مدلوله وفائدته : أمّا الأوّل : فأمّا إن يختصّ النّسخ بتلاوته أو يتعلَّق بتكليفنا بذلك الخبر ، بأن نكون قد كلَّفنا أن نخبر بشيء فينسخ عنّا التّكليف . وكلّ واحد من الأمرين جائز من غير خلاف بين الأصوليين القائلين بجواز النّسخ ، لأنّ نسخ التّلاوة مطلقا أو نسخ تكليف الأخبار يعدّان من الأحكام الشّرعيّة ، فجاز أن يكون مصلحة في وقت فيثبته الشّارع ومفسدة في وقت آخر فينسخه ، وهذا ممّا لا خلاف فيه وقد اتّفق الجميع على إمكان ثبوته ونسخه ، إنّما الخلاف في أنّه هل يجوز أن ينسخ تكلَّفنا بالأخبار عمّا لا يتغيّر بتكليفنا بالإخبار بنقيضه أم لا ؟ قالت المعتزلة : أنّه لا يجوز ذلك لأنّه كذب ، والتّكليف بالكذب قبيح على الشّارع بناء على أصل التّحسين والتّقبيح العقليين . وإنّه يلزم على الله تعالى رعاية المصلحة في أوامره ونواهيه . أمّا الثّاني : إنّ مدلول الخبر وثمرته أمّا أن يكون ممّا لا يتغيّر ويعدّ من الثوابت الضروريّة ، كمدلول الخبر بوجود الإله وحدوث العالم وبعثة الأنبياء ، أو ممّا يتغيّر وليس له ثبوت بالضّرورة . أمّا الأوّل فنسخه محال بالإجماع ، وأمّا الثّاني فقد اختلف الأصوليون والمتكلَّمون في حكمه على أقوال : 1 - المنع من النّسخ : قالوا : إنّ الأخبار عمّا يتغيّر مدلوله وثمرته سواء كان ماضيا كالإخبار عن إيمان زيد وكفره ، أو مستقبلا ، وسواء كان وعدا أو وعيدا أو حكما شرعيّا فإنّه يمتنع دفعه ، وهو مذهب القاضي أبي بكر الباقلَّاني ، والجبّائيّان وأبي إسحاق الشّيرازي ، وابن حزم الأندلسي . 2 - الجواز : وهو مذهب القاضي عبد الجبّار ، وأبي عبد الله البصري ، وأبي الحسين البصري ، والبيضاوي . 3 - التفصيل بين الخبر الماضي والمستقبل : فمنع في الماضي وجوّز في المستقبل ، وهو مذهب أبي بكر الدّقاق ، ومحمود بن عبد الرحمن الأصفهانيّ . انظر : « الذريعة 1 : 427 - 426 ، الأحكام للآمدي 3 : 130 ، اللَّمع : 57 ، شرح اللَّمع 1 : 489 ، شرح المنهاج 1 : 475 ، المعتمد 1 : 387 ، الأحكام لابن حزم 4 : 474 ، ميزان الأصول 2 : 993 أصول السرخسي 2 : 59 » .