الشيخ الطوسي

749

العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )

وليس لهم أن يقولوا : إذا صحّ الانتفاع بها من الوجهين بالاستدلال والتّناول فينبغي أن يقصد به الوجهين . وذلك أنّ هذا محض الدّعوى لا برهان عليها ، بل الَّذي يحتاج إليه أن يعلم أنّه لم يخلقها إلَّا بوجه ، فأمّا أن يقصد بها جميع الوجوه الَّتي يصحّ الانتفاع بها لا يجب ذلك . على أنّا قد بيّنا أنّه لا يمتنع أن يفرض في أحد الوجهين مفسدة في الدّين فيحسن أن يخلقها للوجه الآخر ، ويعلَّمنا أنّ فيها فسادا في الدّين ( 1 ) متى تناولناها ، فيجب علينا أن نمتنع منها . فإن قيل : إذا أمكن خلقها للوجهين ، ولم يقصدهما كان عبثا من الوجه الَّذي لم يقصد الانتفاع به ، وجرى ذلك مجرى فعلين يقصد بهما الانتفاع ولا يقصد بالآخر ذلك ، فيكون ذلك عبثا . قيل له : ليس الأمر على ذلك ، لأنّ الفعل الواحد إذا كان فيه وجه من وجوه الحكمة خرج من باب العبث ، وإن كان له وجوه آخر كان يجوز أن يقصد ، وليس كذلك الفعلان لأنّه إذا قصد وجه الحكمة في أحدهما بقي الآخر خاليا من ذلك وكان عبثا ، وليس كذلك الفعل الواحد على ما بيّناه . فإن قيل : الانتفاع بالاعتبار بالطَّعوم لا يمكن إلَّا بعد تناولها ، لأنّ الطَّعم ليس ممّا يدرك بالعين فينتفع به من هذه الجهة ، فإذا لا بدّ من تناوله حتّى يصحّ الاعتبار به . قيل : الاعتبار يمكن بتناول القليل منه وهو قدر ما يمسك الرّمق وتبقى معه الحياة ، وقد بيّنا أنّ ذلك القدر في حكم المباح ، وليس الاعتبار موقوفا على تناول شيء كثير من ذلك . ويمكن أن يقال أيضا : إنّه يصحّ أن يعتبر بها إذا تناولها غير المكلَّف من سائر أجناس الحيوان ، فإنّه إذا شاهد أجناس الحيوان تتناول تلك الأشياء ويصلح عليها

--> ( 1 ) للدّين .