الشيخ الطوسي
750
العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )
أجسامها أو ينفسد بحسب اختلافها واختلاف طبائعها ، جاز معه أن يعبّر بذلك وإن لم يتناولها المكلَّف أصلا . وبمثل هذا أجاب المخالف من قال بالفرق بين السّموم والأغذية ، بأن قال : يرجع إلى حال الحيوانات الَّتي ليست مكلَّفة إذا شاهدها يتناول أشياء ينتفع بها جعل ذلك طريقا إلى تجربته ، وأنّ ذلك ممّن ينصلح عليه أيضا جسمه ، وذلك مثل ما أجبنا به عن السّؤال الَّذي أوردوه في هذا الباب . واستدلَّوا أيضا : بقوله تعالى : مَن حَرَّم زِينَةَ الله الَّتي أخرَجَ لِعبادِه والطَّيّبات مِنَ الرّزق ( 1 ) ، وبقوله وأُحلّ لكم الطَّيّبات ( 2 ) ، وما شاكل ذلك من الآيات ، وهذه الطَّريقة مبنيّة على السّمع . ونحن لا نمتنع أن يدلّ دليل السّمع على أنّ الأشياء على الإباحة بعد أن كانت على الوقف ، بل عندنا الأمر على ذلك وإليه نذهب ، وعلى هذا سقطت المعارضة بالآيات . واستدلّ كثير من النّاس على أنّ هذه الأشياء على الحظر أو الوقف ، بأن قالوا : قد علمنا أنّ التحرّز من المضارّ واجب في العقول ، وإذا كان ذلك واجبا لم يحسن منّا أن نقدّم على تناول ما لا نأمن أن يكون سمّا قاتلا فيؤدّي ذلك إلى العطب ، لأنّا لا نفرّق بين ما هو سمّ وما هو غذاء ، وإنّما ننتظر ذلك إعلام الله تعالى لنا ما هو غذاؤنا ، والفرق بينه وبين السموم القاتلة . واعترض من خالف في ذلك الاستدلال بأن قال : يمكننا أن نعلم ذلك بالتّجربة ، فإنّا إذا شاهدنا الحيوان الَّذي ليس بمكلَّف يتناول بعض الأشياء فيصلح عليه جسمه ، علمنا أنّه غذاء ، وإذا تناول شيئا يفسد عليه علمنا أنّه مضارّ ، فحينئذ اعتبرنا بأحوالهما .
--> ( 1 ) الأعراف : 32 . ( 2 ) المائدة : 4 .