الشيخ الطوسي
703
العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )
إلى آرائهم وأمثالها من أن يكونوا ذهبوا إليها من طرق الأدلَّة الموجبة للعلم ، أو من جهة الاجتهاد والقياس . ولو كان الأوّل : لوجب أن يكون الحقّ في واحد من الأقوال دون جميعها ، ولوجب أن يكون ما عدا المذهب الواحد والَّذي هو الحقّ منها باطلا خطأ ، ولو كان كذلك لوجب أن يقطعوا ولاية قائله ، ويبرؤا منه ، ويلعنوه ، ولا يعظَّموه ، ألا ترى أنّهم في أمور كثيرة خرجوا إلى المقاتلة ، ورجعوا عن التّعظيم والولاية ، لما لم يكن من باب الاجتهاديات ، ولو كان الكلّ واحدا لفعلوا في جميعه فعلا واحدا . ولو كان الأمر أيضا على خلاف قولنا ، لم يحسن أن يولَّي بعضهم بعضا مع علمه بخلافه عليه في مذهبه ، كما ولَّى أمير المؤمنين عليه السّلام شريحا مع علمه بخلافه له في كثير من الأحكام ، وكما ولَّى أبو بكر زيدا وهو يخالف في الجدّ ، فلو لا اعتقاد المولَّي أنّ المولى محقّ ، وأنّ الَّذي يذهب إليه - وإن كان مخالفا لمذهبه - صواب لم يجز ذلك ، ولا جاز أيضا أن يسوغ له الفتيا ويحيل عليه بها ، وقد كانوا يفعلون ذلك . وكذلك كان يجب أن ينقض بعضهم على بعض الأحكام الَّتي يخالفه فيها لمّا تمكَّن من ذلك ، وأن ينقض الواحد على نفسه ما حكم به لهم في حال ثمّ رجع إلى ما يخالفه في أخرى ، لأنّ كثيرا منهم قد قضى بقضايا مختلفة ولم ينقض على نفسه ما تقدّم ، فلو لا أنّ الكلّ عندهم صواب لم يسغ ذلك وأيضا : فقد اختلفوا فيما لو كان خطأ لكان كبيرا ، نحو اختلافهم في الفروج ، والدّماء ، والأموال ، وقضى بعضهم بإراقة الدّم ، وإباحة المال والفرج ، فلو كان منهم من أخطأ ، لم يجز أن يكون خطأه كبيرا ، ويكون سبيله سبيل من ابتدأ إراقة دم محرّم بغير حقّ ، وأخذ مالا عظيما بغير حقّ ، وإعطاء من لا يستحقّه ، وفي ذلك تفسيقه ووجوب البراءة منه . وفي علمنا بفقد كلّ ذلك دليل على أنّهم قالوا بالاجتهاد وأنّ الجماعة