الشيخ الطوسي
642
العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )
قلنا : قد نعلم ذلك بأن يكون هناك دليل يوجب العلم يدلّ على صحّة ذلك ، فيعلم به أنّ القول موافق لقول المعصوم لمطابقته للدّليل الموجب للعلم ، وإذا كان هناك دليل يدلّ على خلاف ذلك القول علمنا أنّ المعصوم قوله يخالفه ، وإذا خالفه وجب القطع على بطلان ذلك القول . [ فإن عدمنا الطَّريقين معا ، ولم نجد ما يدلّ على صحّة ذلك القول ] ( 1 ) ولا على فساده ، وجب القطع على صحّة ذلك القول ، وأنّه موافق لقول المعصوم ، لأنّه لو كان قول المعصوم مخالفا له ، لوجب أن يظهره وإلَّا كان يقبح التّكليف الَّذي ذلك القول لطف فيه [ 1 ] ، وقد علمنا خلاف ذلك .
--> ( 1 ) زيادة من النسخة الثّانية . [ 1 ] اختلف المتكلَّمون في أصل اللطف ، فالأشاعرة أنكروه وأثبته العدليّة من الإماميّة والمعتزلة والزّيديّة ، ويجب التنبيه إلى أنّ منشأ الخلاف بينهما يعود إلى أنّ العدليّة ترى أنّ اللطف يرتبط بأصل العدل ومبدأ خلق العباد لأفعالهم ، وأنّ اللَّطف واجب على الله تعالى ، بينما ينكره الأشاعرة . والمقصود من اللَّطف عند العدليّة هو الفعل الَّذي يقرب العبد من الطَّاعة ويبعده عن المعصية بحيث لم يكن له حظ في التّمكين ولا يبلغ حدّ الإلجاء . وبعبارة أخرى : اللَّطف هو أن يمكَّن الله سبحانه العبد من الطَّاعة وذلك بتوفير القدرة والصحّة له وإزالة الموانع الَّتي تحول بينه وبين الطَّاعة ، وكلّ هذا مترتّب على التّكليف ، لأنّ التّكليف ليس إلَّا تعريض العبد للثواب وإبعاده عن المعاصي والعقاب . فإذا عرّضه الله للثواب فإنّه لا بدّ أن يمكَّنه من الحصول على هذا الثّواب اقتضاء لعدله ورحمة بعباده ، وجميع تعريفات العدليّة من الإمامية والمعتزلة تدور حول هذا المعنى ، وهو الفعل الَّذي لولاه لما كان الإنسان قريبا إلى الطَّاعة بعيدا عن المعصية . وقسّم القاضي عبد الجبّار اللَّطف إلى قسمين : فإنّه قد يسمّى توفيقا وذلك حينما يوافق فعل الطَّاعة فيكون صاحبه موفّقا ، وقد يسمّى عصمة حينما يمنع معه وقوع فعل المعصية على وجه الحتم ، وهذا النوع من اللَّطف خاصّ بالأنبياء ، لكن الشّيخ الطوسي قسّم اللَّطف إلى التّوفيق واللَّطف المجرّد عن أيّ وصف سوى أنّه لطف لا غيره . ويترتّب على تبعيّة اللَّطف للتّكليف بناء على مذهب العدليّة حريّة الإنسان في تصرّفاته واختياره بأن لا يكون ممنوعا منه ولا ملجأ ومضطرّا إلى فعله ، إذ لو كان اللَّطف يلجئ الإنسان ويضطرّه إلى فعل الطَّاعة فإنّه لا يسمّى لطفا إذ لا يستحقّ المكلَّف حينئذ الثّواب بالاختيار ، وأيضا لو عجز عن إحضار الفعل لوجود المانع فإنّه لا يستحسن عقابه . ولم يشذّ عن المعتزلة في القول باللَّطف إلا ضرار بن عمرو ، وبشر بن المعتمر ، وجعفر بن حرب . أمّا الأشاعرة المجبّرة فإنّهم لا يقولون بوجوب اللَّطف على الله تعالى ويقولون : حتّى وإن علم سبحانه أنّ المكلَّف يختار الإيمان عند فعل اللَّطف فله أن يفعله وأن لا يفعله بل هو متفضّل به إن شاء فعله فيكون إنعاما على العبد وإن شاء لم يفعل . وفي المقام فإنّ المصنّف حينما يقول : « لأنّه لو كان قول المعصوم مخالفا . . . » يقصد به هذا المفهوم الَّذي شرحناه على مذهب أهل العدل [ راجع : الشافي في الإمامة 1 : 167 - 161 ] ، فبناء على وجوب اللَّطف على الله تعالى ، فإنّه يجب بعثة الأنبياء والأوصياء والأئمّة ، ويجب على هؤلاء بيان التّكاليف الَّتي هي ألطاف للعباد ومقرّبهم إلى الثّواب ومبعّدهم عن العقاب . انظر : « المغني للقاضي عبد الجبّار 1 : 291 و 13 : 4 و 5 و 12 ، أوائل المقالات : 59 ، الإنتصار للخياط : 64 ، أصول الدّين للجرجاني : 144 - 130 ، الاقتصاد : 130 ، الذّخيرة : 186 المواقف : 328 ، شرح الأصول الخمسة : 64 و 519 و 780 ، المنقذ من التّقليد 1 : 297 ) .