الشيخ الطوسي
318
العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )
وكذلك قالوا في قولهم : « وبلدة ليس بها أنيس » أنّه نفى كون النّاس مقيمين فيها ، فلمّا كانت اليعافير والعيس مقيمة فيها حسن أن يستثنيهما من الإقامة . وقال قوم : إنّه لم يرد بالأنيس النّاس ، وإنّما أراد ما يؤنس به ويسكن إليه ، ولمّا كانت اليعافير والعيس ممّا يسكن إليها على بعض الوجوه ويستأنس بها ، حسن أن يستثنى منها ، وعلى هذا الوجه فالاستثناء ما وقع إلَّا من جنسه . فأمّا قوله تعالى : فَسَجَدَ المَلائكة كُلُّهم أجمَعُون إلَّا إبليسَ ( 1 ) فقد قيل فيه وجهان : أحدهما : أنّ إبليس كان من جملة الملائكة [ 1 ] ، إلَّا أنّه عصى بترك السّجود فحسن أن يستثنيه من جملة الملائكة ، هذا على مذهب من جوّز على جنس الملائكة المعاصي . ومن لم يجوّز ذلك عليهم قال : إنّما استثناه لأنّه كان أيضا مأمورا بالسّجود كما أنّهم كانوا مأمورين كذلك ، فاستثناه من جملة المأمورين لا من جملة الملائكة ، ويكون ذلك حملا على [ 2 ] المعنى ( 2 ) . والوجهان جميعا قريبان . فأمّا قوله : وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقتُلَ مؤمناً إلَّا خَطأً ( 3 ) فقد قيل فيه : إنّ المؤمن لا يقتله إلَّا خطأ ، لأنّه لو قتله متعمّدا لم يكن مؤمنا ، لأنّ الفسق يخرج من إطلاق اسم الإيمان عليه .
--> ( 1 ) ص : 73 و 74 . . ( 2 ) انظر : « المعتمد في أصول الفقه 1 : 244 ، ميزان الأصول 1 : 458 » . . ( 3 ) النساء : 92 . . [ 1 ] بناء على أنّ قسما منهم يسمّى بالجنّ ويصير الاستثناء متّصلا . [ 2 ] فكأنّه قيل : فسجد المأمورون بالسجود كلَّهم أجمعون إلَّا إبليس ، ولا يخفى أنّ الاستثناء يصير بهذا التوجيه متّصلا كما يقتضيه السياق .