عادل عبد الرحمن البدري
59
نزهة النظر في غريب النهج والأثر
إذا حككته بالمِبْرَد . وما يسقط منه : البُرادة ( 1 ) . وجاء في الحديث : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يأكل البَرَد ( 2 ) . البَرَد ، بفتحتين : شيء ينزل من السَّحَاب يُشبه الحَصَى ويُسمّى حبّ الغَمام وحبَّ المُزْن ( 3 ) ، ومنه يقال : سَحاب بَرِدٌ وأبْرَدُ ، قال الشاعر : كأنهم المعزاء في وقع أبْرَدا ( 4 ) . وبَرِد الثورُ ، صار فيه لُمعاً من بياض وسواد ( 5 ) وفي حديث النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة » ( 6 ) . وهذه استعارة ، وذلك أنّهم يقولون هذه غنيمة باردة إذا حازوها من غير أنْ يَلْقَوا دونها حرّ السلاح وألم الجراح ، لأنّه ليس كلّ الغنائم كذلك ، بل في الأكثر لا تكاد تُنال إلاّ باصطلاء نار الحرب ومألم الطعن والضرب ، فكأنه ( عليه السلام ) جعل صوم الشتاء غنيمة باردة ، لأنّ الصائم يحوز فيه الثواب الجزيل والخير الكثير بلا معاناة مشقّة ولا ملاقاة كُلْفة لقِصَر نهاره وعدم أواره . وقد قيل : إنّما وصف الصوم في الشتاء بأنّه غنيمة باردة لبرد النهار الذي يقع الصيام فيه ، وأنّه بخلاف نهار الصيف الذي يشتدّ فيه العطش وتطول المخامص ، ويقصر ليله عن القيام بوظائف العبادة التي تُحمد عُقبى وتقرّب إلى الله زُلفى . والشتاء على خلاف هذه الصفة لقصر نهار الصائم وطول ليل القائم ( 1 ) . ويقال : الباردة الثابتة الحاصلة . من قولهم : ما بَرَدَ في يدي منه شيء ، أي : ما حصل ( 2 ) ، ومن هذا جاءت الاستعارة للجنّة في حديث عليّ ( عليه السلام ) : « فظفروا بالعُقبى الدائمة والكرامة الباردة » ( 3 ) . والبريد : الرسول : ومنه قول بعض العرب : « الحمّى بريد الموت » ، أي رسوله ، ثمّ استُعمل في المسافة التي يَقْطعُها ، وهي اثنا عشر ميلاً ، ويقال لدابّة البريد بريد أيضاً لسيره في البريد ، فهو مُسْتعار من المُسْتَعارِ ، والجمع بُرُد بضمتين ( 4 ) . وفسّر الحديث النبويّ : « إذا اشتدَّ الحرُّ فأبردوا بالصلاة » . بأنّه المراد أعجلوا بها ، من البريد ( 5 ) . ومنه جاء حديث
--> ( 1 ) جمهرة اللغة 1 : 295 . ( 2 ) مكارم الأخلاق : 31 ، ط / قم . ( 4 ) جمهرة اللغة 1 : 295 ، ومعنى الشعر أنّه شبه اضطرابهم في الحرب واختلاط أصواتهم بوقع البَرَد على المعزاء ، وهي الأرض تركبها حجارة صغار وكبار . ( 5 ) الأفعال لابن القطاع 1 : 67 . ( 6 ) غريب الحديث للهروي 1 : 306 . ( 1 ) المجازات النبوية 162 رقم 191 . ( 2 ) الزاهر في معاني كلمات الناس لابن الأنباري 2 : 191 رقم 693 . ( 3 ) نهج البلاغة : 174 ضمن خطبة 116 . ( 4 و 9 ) المصباح المنير : 43 ( برد ) . ( 5 ) ينظر تفصيل ذلك في بحار الأنوار 83 : 15 و 42 .