ميرزا حسين النوري الطبرسي
307
النجم الثاقب
فبينا نحن كذلك فإذا بطيب قد انتشر في الهواء ، وملأ الفضاء أحسن من ريح نوافج المسك الأذفر ، وأروح للقلب من النسيم إذا تسحّر ، ورأيت في خلال أشعة القمر إشعاعاً كشعلة النّار ، قد غلب عليها ، وانخمد في تلك الحال صوت ذلك الرّجل الداعي ، فالتفتّ فإذا أنا بشخص جليل ، قد دخل المسجد من طرف ذلك الباب المنغلق في زيّ لباس الحجاز ، وعلى كتفه الشريف سجّادة كما هو عادة أهل الحرمين إلى الآن ، وكان يمشي في سكينة ووقار ، وهيبة وجلال ، قاصداً باب مسلم ولم يبقَ لنا من الحواسّ الّا البصر الخاسر واللبّ الطّائر ، فلمّا صار بحذائنا من طرف القبلة سلّم علينا . قال رحمه الله : أمّا رفيقي فلم يبقَ له شعور أصلا ، ولم يتمكّن من الرّد وأمّا أنا فاجتهدت كثيراً إلى أن رددت عليه في غاية الصعوبة والمشقّة ، فلمّا دخل باب المسجد [ في ساحة مقبرة مسلم ] وغاب عنّا تراجعت القلوب إلى الصّدور ، فقلنا : من كان هذا ومن أين دخل ؟ فمشينا نحو ذلك الرّجل فرأيناه قد خرق ثوبه ويبكي بكاء الواله الحزين ، فسألناه عن حقيقة الحال ، فقال : واظبت هذا المسجد أربعين ليلة من ليالي الجمعة طلباً للتشرّف بلقاء خليفة العصر عليه السلام ، وناموس الدّهر عجّل الله تعالى فرجه وهذه الليلة تمام الأربعين ولم أتزوّد من لقائه ظاهراً ، غير انّي حيث رأيتموني كنت مشغولا بالدعاء فإذا به عليه السلام واقفاً على رأسي فالتفتّ إليه عليه السلام فقال : " چه مى كنى ؟ " أو " چه مى خوانى ؟ " أي ما تفعل ؟ أو ما تقرأ ؟ والترديد من الفاضل المتقدّم ، ولم أتمكّن من الجواب ، فمضى عنّي كما شاهدتموه ، فذهبنا إلى الباب فوجدناه على النحو الذي أغلقناه ، فرجعنا شاكرين متحسّرين ( 1 ) . يقول المؤلف : سمعت مراراً الأستاذ السند وحيد عصره الشيخ عبد الحسين الطهراني أعلى الله
--> 1 - راجع جنة المأوى : ص 263 - 264 .