زكي مبارك
99
عبقرية الشريف الرضي
يعرف السكون ولو نزل إلى مغارات الكهوف ، لان لذكريات العيون والنحور والخدود ضجيجا يوقظ الأموات ويصم الاحياء ، وهو قد رأى من الوجوه الوسيمة ، وسمع من الأصوات الرخيمة ، ما يسوق العقلاء إلى إلى حظيرة المجانين . وهل كان يمكن أن تتوفر تلك الثروة الشعرية لرجل يلهو ويلعب هل كان يمكن أن يشهد الشريف غرائب صنع اللَّه في مواكب الحجيج وهو في عنفوان الشباب ، ثم لا يحفظ في لوحة الذكريات ألف سورة من سور الصباحة والجمال معاذ الهوى والأدب أن يكون الشريف الرضي عابثا في الغرام ، وهل في الغرام عبث وهل كان اللعب بالحب إلا كاللعب بالجمر المتوهج ان العبث بالحب ممكن ، ولكنه مستحيل على رجل يعيش بالبيداء ، أو يمر بالبيداء ، فلأهل البيداء ومن يجاور البيداء عيون أسحر وأفتك من عيون الظباء ، وإني لأعجب كيف يعيش إنسان في العراق ثم لا يعشق وهو يرى عيون المها في كل مكان وفي كل حين ولكن الشريف صعب عليه أن يجعل العراق مرجع هواه ، لأن سياسة المجتمع كانت ترفض ذلك ، ولأن الرجل كان في ذاته شعوبي الهوىّ ، فكان في صدره سهام من مصر والشام والحجاز واليمن والمغرب والهند وفارس والعراق ، كان صورة للفؤاد الممزق الذي تعاورته سهام العيون . أيها السادة لا تلوموني في هذا اللف والدوران ، فأنا أحاول أمرا يصعب إليه الوصول ، أحاول التصريح بأن الأسماء التي وردت في شعر الشريف لم