زكي مبارك

90

عبقرية الشريف الرضي

أهون عليك إذا امتلأت من الكرى * أني أبيت بليلة الملسوع قد كنت أجزيك الصدود بمثله * لو أن قلبك كان بين ضلوعي وهذه اشعار من فيض القلب ، والشريف في هذه الاشعار ليس هو ذلك الشيخ الجليل الذي أنشأ مدرسة سماها ( دار العلم ) وأقام فيها مكتبة يتزود منها طلاب اللغة والدين ، وإنما هو إنسان يرى الدنيا بأعين الشعراء الذين يدركون اسرار الوجود . أيها السادة إن النص على هذا المعنى ضروري في هذا البحث ، فالشريف الرضي في غرامياته ليس من تلاميذ بغداد ، وانما هو من تلاميذ البيداء ، وآية ذلك أن الأنفاس البغدادية لا نحسها عنده إلا في النادر القليل ، فهو بعيد كل البعد عن أنفاس الشعراء الذين تمتعت آذانهم وعيونهم بضجيج بغداد ومواكب بغداد ، وتعليل هذا سهل : فقد كان رجلا يفهم أن المفروض عليه أن لا يعرف بغير التقى والعفاف ولم تكن دنيا الناس في ذلك العهد تسمح لرجل مثله ان يخاطر بمركزه الأدبي والديني في سبيل الوجد والصبابة ، وإنما كان يقهر على ذلك قهرا بما يتوقد في صدره من الغرام المشبوب ، وهو نفسه قد شعر بهذا الحرج حين قال في دفع من اتهموه بالخروج على أدب الأتقياء : وأكذب بالتصون مدعيهم * وألجم قائليهم بالعفاف وأريد أن أقول بصراحة إن الشريف الرضي كان يحاول التخلص من مذاهب البغداديين في التشبيب ، لأن أكثر الشعراء في تلك الأيام كانوا