زكي مبارك
89
عبقرية الشريف الرضي
التعبير عن هذه المعضلة النفسية حين قال : ولقد أطلت إلى سلوّك شقتي * وجعلت هجرك والتجنب زادي أهون بما حملتنيه من الضنى * لو أن طيفك كان من عوّادي لا يبعدن قلبي الذي خلفته * وقفا على الاتهام والانجاد إن الذي غمر الرقاد وساده * لم يدر كيف نبا عليّ وسادي لولا هواك لما ذللت وإنما * عزى يعيرني بذل فؤادي العز يعير بذل الفؤاد تلكم هي القصة الموجزة لحياة الشريف ، فهو في نزاع دائم بين عزة الجاه وذلة القلب ، فإن لم يكف هذان الشاهدان فانظروا كيف يقول : يا صاحب القلب الصحيح أما اشتفى * ألم الجوى من قلبي المصدوع هيهات لا تتكلفن لي الهوى * فضح التطبع شيمة المطبوع كم قد نصبت لك الحبائل طامعا * فنجوت بعد تعرض لوقوع وتركتني ظمآن أشرب غلتي * أسفا على ذاك اللمى الممنوع ( 1 ) قلبي وطرفي منك هذا في حمى * قيظ وهذا في رياض ربيع ( 2 ) كم ليلة جرّعته في طولها * غصص الملام ومؤلم التقريع أبكي ويبسم والدجي ما بيننا * حتى أضاء بثغره ودموعي تفلى أنامله التراب تعللا * وأناملي في سني المقروع قمر إذا استخجلته بعتابه * لبس الغروب ولم يعد لطلوع لو حيث يستمع السرار وقفتما * لعجبتما من عزه وخضوعي ( 3 )
--> ( 1 ) اللمى : سمرة في الشفة . ( 2 ) القيظ صميم الصيف . ( 3 ) السرار بالكسر هو التناجي في السر .