زكي مبارك

80

عبقرية الشريف الرضي

قد كنت آمل أن يكون أمامها * يومي وتشفق أن تكون ورائي إلى أن يقول : لو كان يبلغك الصفيح رسائلي ( 1 ) * أو كان يسمعك التراب ندائي لسمعت طول تأوهي وتفجعي * وعلمت حسن رعايتي ووفائي كان ارتكاضي في حشاك مسببا * ركض الغليل عليك في أحشائي وهذا البيت يتضمن صورة حسية لا يصرح بها إلا شاعر يفهم الحقائق فهو يرى حياته في بطن أمه دينا واجب الأداء . وكذلك صح لهذا الشاعر الانساني ان يعزي بعض الناس في بنت ماتت بعد بنت فيقول من قصيد طويل : هذا العزاء وإن تحزن فلا عجب * إن البكاء بقدر الحادث الجلل ( 2 ) ولكن ما بالنا نحصر أسباب هذه العاطفة فيما تلقاه الشريف عن أمه الرؤم ما الذي يمنع من افتراض أن تكون هذه المعاني أوحيت إليه من التعرف إلى كرائم النساء ما الذي يمنع من التصريح بان اشراف الرجال لا تخلو حيواتهم من مودات شريفة نبيلة يضمرونها لبعض العقائل المصونات ما الذي يمنع من القول بأن في بنات الأعمام والأخوال ظلالا من العطف نلوذ بها في هجير الحياة بل ما الذي يمنع من القول بأن في

--> ( 1 ) الصفيح هنا هو القبر وجمعه صفائح . ( 2 ) الجلل : العظيم ، وهو أيضا الحقير ، فهو من الاضداد .