زكي مبارك
16
عبقرية الشريف الرضي
والنظراء ، هو كان يفهم أنه يتطلع إلى انتهاب ما في أيدي الناس من المناصب العالية ، كان يفهم أنه يحاول أمورا لو طاعت له لتبدلت في الجو السياسي والاجتماعي رسوم وشؤون ، كان يفهم أن اعلام الناس في عصره ليسوا أغبياء إلى الحد الذي يسمح بان يجهلوا ما ينطوي عليه مثل صدره من غرض مبيت وسر مكنون . والثورة على العيش الضيق وعلى حياة الخمول هي بداية الحرب بيننا وبين المجتمع ، فمن شاء أن يعيش في سلام مطلق فليكتف بأكل العشب في البيداء ، ثم ليحترس أيضا ففي البيداء خلائق تغار على ما فيها من مساقط الغيث ومنابت الأعشاب . وكذلك نرى الشريف يتنبه إلى أسباب العداوة بينه وبين الناس ونراه يداري الأعداء خوفا من عواقب اللجاجة في تهييج الضغائن والحقود ، وهو الذي يقول : تجاف عن الأعداء بقيا فربما * كفيت ولم تعقر بناب ولا ظفر ( 1 ) ولا تبر منهم كل عود تخافه * فان الأعادي ينبتون مع الدهر إذا شئت أن تبقى خليا من العدى * فعش عيش خال من علاء ومن وفر إذا أنت أفنيت العرانين والذرى * رمتك الليالي عن يد الخامل الغمر ( 2 ) وهبك اتقيت السهم من حيث يتقي * فمن ليد ترميك من حيث لا تدري
--> ( 1 ) البقيا بمعنى الاستبقاء . وهو هنا صيانة النفس . ( 2 ) العرانين جمع عرنين بالكسر وهو الأنف أو ما هو صلب من عظمه . والعرانين هنا الأشراف ، والذرى جمع ذروة وهي أعلا الشيء والغمر من لم يجرب الأمور .