زكي مبارك
17
عبقرية الشريف الرضي
فهو بهذه الأبيات يقرر أن سبب العداوة هو بسطة الجاه والمال ويشير بمداراة الأعداء ، لأن العداوة كالنار قد تخمد بعض الخمود إن سكتت عنها الريح أو تناستها أفواه النافخين ، ويذكر أن الذي ينتصر على الأقوياء من الأعداء قد ترميه الليالي بأيدي الضعفاء . ولو كنا نعرف مصادر المخاوف في كل وقت لدفعناها ، ولكن المخاوف تخفي مصادرها في كثير من الأحايين ، فمن الحزم أن لا نعرض أنفسنا للعداوات وهي أسباب المعاطب والحتوف . وفي هذه القطعة إشارة إلى معان كثيرة . وليت الشريف احتفل بهذه المعاني ، كما يتفق له ذلك في كثير من الأغراض ، ولكن هذه الإشارة تفهمنا أنه كان يخاف الضعفاء أكثر مما يخاف الأقوياء ، لأن الأقوياء شرهم هين ، إذ كانوا يحاربون بأسلحة الرجال ، أما الضعفاء فشرهم أخطر وأفظع إذ كانوا يدبون بالوشايات والنمائم كما تدب العقارب في حلك الظلام ، والعدو الضعيف مخلوق خطر ، لأن الضعف علمه الدهاء وبصره بأساليب الختل والخداع ، وكان من السهل أن يعمد الأعداء الضعفاء إلى تهوين قدر الشريف في أنفس أهل العراق . ومثل الشريف كان يعتمد في حياته السياسية على قوتين : القوة الذاتية وحسن السمعة بين الناس . وأعيذكم أن تظنوا أني أتكلف هذا الافتراض ، ففي ديوان الشريف شواهد نعرف بها أنه كان مبتلى بأقوام يقرضون عرضه في الخفاء ، وإلا فكيف نفسر سكوته عن وصف الخمر مع أن وصفها كان من المذاهب التي سنها شعراء العراق ، وكان الشاعر العراقي يصف الخمر وإن لم تمسسها شفتاه ، والشريف وصف الخمر فعلا ولكنه ينص في صلب الديوان على أنه سئل وصفها فأجاب .