زكي مبارك
15
عبقرية الشريف الرضي
ما لي أقول فلا تصغي بسامعة * تصامم بك عن ذا القول أم صمم رفقا بأنفك لا تشمخ على مضر * وانظر بعينك من زموا ومن خطموا ( 1 ) فلست أول من راقت له حلل * ولست أول من راحت له نعم من أضمر الصد عمن ليس يضمره * بغيا مشى في نواحي سره الندم من أنهضته لقطع الود غدرته * كان المذمم منه الكف والقدم من ساء ظنا بمن يهواه فارقه * وحرضته على إبعاده التهم متى تجهم غدرا سر عهدكم * فان عهدي على غدر بكم حرم أيها السادة لقد ساقنا الكلام إلى ضجر الشريف الرضي من الناس ، فلنتذكر أن هذا الرجل عانى في دهره أشق العداوات ، وابتلته الحوادث بضروب من لؤم الخلائق ، ولكنه تماسك وقارع خصومه قراع الفحول ، وكان مع ذلك يعود إلى نفسه فيدرسها من حين إلى حين فيرى نفسه أعدى الأعداء ، فهو بذلك من أحكم الناس إذ يقول : أروم انتصافي من رجال أباعد * ونفسي أعدى لي من الناس أجمعا إذا لم تكن نفس الفتى من صديقه * فلا يحدثن في خلة الدهر مطمعا ( 2 ) ولو أنه ألح في ترديد هذا المعنى لكان له مكان بين أساتذة الأخلاق ، ولكن يكفي أنه تنبه إلى هذا المعنى ، فهو كان يدرك بوحي الفطرة أننا نؤذي أنفسنا قبل أن يؤذينا الناس ، وان الشر لا يسقط علينا سقوط المطر من السماء ، وانما نستدعي الشر عامدين بما نسرف في مكايدة الأنداد
--> ( 1 ) زم الأنف وخطمه ضرب عليه الزمام والخطام ، يصف مضر بقوة البأس . ( 2 ) الخلة بضم الخاء الصداقة المتينة .