زكي مبارك
127
عبقرية الشريف الرضي
الفرق بعيد بين الشاعرين : فعمر بن أبي ربيعة نشأ في صدر الاسلام يوم كان دينا سمحا لا تثقله الأوهام التي أثقلته فيما بعد حين حمل أوزار الواغلين الذين نقلوا إليه أوضار التزمت والجمود ، فيما ورثوا عن أصولهم في الشرق أو في الغرب ، من بلادات المتزهدين ، وغباوات المتقشفين ، ورقاعات المتنسكين ، كان عمر بن أبي ربيعة يعيش بين أمراء وخلفاء كانوا في حقيقة الأمر من أشراف الفتيان ، وكان الناسكون لعهده رجالا ظرفاء لا ينكرون حقوق الأفئدة والقلوب . أما الشريف فعاش في الصدر الثاني من القرن الرابع بعد أن حمل الاسلام ما حمل من عسير التقاليد ، وبعد أن كانت بغداد قد عرفت ألوانا من التزهد والتقشف تجعل الغزل في مواسم الحج ضربا من اللهو والفجور مع استثناء الظرفاء من الصوفيين العراقيين الذين أطفنا بأخبارهم في كتاب ( التصوف الاسلامي ) . ذلك فرق بين العصرين : عصر صديقنا عمر وعصر أستاذنا الشريف . وهناك فرق بين الرجلين : فعمر بن أبي ربيعة كان في يأس من المجد السياسي ، فلم يكن ينتظر أبدا أن يكون له مجال في سياسة الدولة الاسلامية التي استبد بها الأمويون ، وكذلك اقبل على دنياه ينهب منها ما تسمح به مواسم الحج من التطلع إلى الخدود النواضر ، والعيون الفواتك ، ويخلق لنفسه آفاقا من السيطرة الوجدانية تعوض ما فاته من السيطرة السياسية والانسان حيوان لئيم يهمه أن يسيطر في أي ميدان . أما الشريف فكان له حال غير تلك الحال ، كان الشريف علويا ، والعلويون كانت لهم مطامع سياسية توارثوها من جيل إلى جيل ، والذي