زكي مبارك

128

عبقرية الشريف الرضي

يراجع ما فصلناه في كتاب ( المدائح النبوية ) يعرف أن أولئك القوم كانوا بلغوا غاية الغايات في رياضة أبنائهم وأحفادهم وأسباطهم على الايمان بأنهم مظلومون وان الدنيا لا تصلح إلا إن رجع إليهم الأمر في قيادة المسلمين ، وقد وصلوا في ذلك إلى غاية لا تحتمل ولا تطاق فكانوا يتصورون أن الدنيا - إن لم يسوسوها - ستظل ظلمات من فوقها ظلمات . وكان الشريف الرضي يرى نفسه أهلا للخلافة الاسلامية ، وساعده على ذلك مركز أبيه في المجتمع ، وتشرفه بالانتساب إلى علي بن أبي طالب وكان لعلي بن أبي طالب سلطة روحية هائلة في تلك العهود ، ويكفي أن نحدثكم أن الخليفة القادر أذاع في الناس انه رأى في منامه نهر الصليق قد اتسع حتى صار عرض دجلة دفعات وانه سار على حافته فرأى عليه قنطرة عظيمة فأراد أن يعبر فانبثق النهر من حوله فرأى شخصا يناديه أتريد أن تعبر فقال : نعم ، فمد يده حتى وصلت إليه وأخذه فعبر به وهاله الفعل فسأل من يكون هذا المتفضل بنجاته فقال صاحب اليد الكريمة : عليّ بن أبي طالب ، هذا الأمر صائر إليك ، ويطول عمرك فيه ، فأحسن إلى ولدي وشيعتي . وهذه الرؤيا الصحيحة أو المخترعة تشهد بأن العلويين في ذلك العهد كان ينصب لهم ميزان ، وكان الخلفاء العباسيون يرون من السياسة أن يداروهم بالثناء على جدهم أمير المؤمنين . وكانت الظروف تسمح بعض السماح بأن يتطلع الشريف إلى الخلافة فقد كان له في ذات نفسه خصائص ترشحه لذلك المنصب : كان من أسباط الرسول ، وكان متفوقا في العلوم النقلية والعقلية ، وكان جميل الوجه جدا ، بحيث استطاع بعض أساتذته أن يقول إنه لم يستبح النظر إلى وجهه