زكي مبارك

115

عبقرية الشريف الرضي

فمن كان هذا الوجد يعمر قلبه * فقلبي من داء الغرام خراب ومن لعبت بيض الثغور بعقله * فعندي أحر الباردين رضاب ( 1 ) يعف عن الفحشاء ذيلي كأنما * عليه نطاق دونها وحجاب إذا لم أنل من بلدة ما أريده * فما سرني أن البلاد رحاب فهل ترون هذه الأبيات إلا صورة من صور النضال بين المجد والحب ان الشاعر يصرح باللوعة ، ثم يثور على هواه فيعلن أن قلبه من داء الغرام خراب ، ليصح له أن يقول إن المجد غاية مناه ، وليس من الكثير على مثله أن يدوس الهوى في سبيل المجد ، فتلك ثورة نفسية عرفها أحرار الرجال ولكن من الواجب أن نتذكر هذا لنعرف أن صاحبنا لم يؤثر العفاف وهو طائع ، وإنما اختار العفاف لأنه أصلح الصفات لبلوغه من المجد ما يشتهيه وللمجد شهوة أقوى وأفحل من شهوة الجمال . ثم اسمعوا الأبيات الآتية فهي أغرب : وأبقت لي الأيام حزما وفطنة * ووقرن جأشى بالأمور الغرائب توزع لحمي في عواجم جمة * وبان على جنبي وسم التجارب ( 2 ) وأرض بها بعت الصبابة والصبا * وناهض قلبي الهم من كل جانب وزور من الأضغان نحوي كأنما * يلاقيهم شخصي لقاء المحارب ( 3 )

--> ( 1 ) الرضاب بضم الراء هو الريق . ( 2 ) العواجم جمع عاجم وهو الذي يعجم العود ، أي يعضه ليختبر صلاحيته لعمل الرماح ، والوسم في الأصل الكي ، ومنه الميسم وهو المكواة ( 3 ) الزور بفتح الزاي هم الزائرون .