زكي مبارك

113

عبقرية الشريف الرضي

والروح . ولم يكن عفاف الشريف بابا من عفاف الضعفاء أصحاب الحب العذري فالعذريون في حقيقة الأمر كانوا مرضى لا يحسنون صيال الفحول ، اما الشريف فكان رجلا قويا ، وكانت فحولته تدعوه إلى التفكير في شريف المصاهرات ، وهو قد تزوج بالفعل وأنجب ، فلم يبق إلا أن يكون عفافه بابا من التصون ليسلم من ألسنة السفهاء ، والتصون هو في ذاته قوة ، لأن كبح النفس يحتاج إلى نضال ، وقد ناضل صاحبنا في سبيل شرفه فلم يمت إلا وهو مرموق الجلال . أيها السادة لا تحسبوني أتفلسف ، فأنا في هذه المحاضرات من خدام الحقائق وحولي عيون وارصاد تصدني عن شطط الخيال . وقد تأملت ما قال الشريف في العفاف مرات ومرات قبل أن أدوّن الكلام الذي تسمعون ، وصح عندي أن غراميات ذلك الرجل كانت عراكا في عراك . هو عفيف ، ولكن حديثه عن عفافه يشعرنا بأنه كان يجاهد هواه جهاد المستميت ، وانظروا كيف يقول : تذكرت أياما بذي الأثل بعد ما * تقضى أواني في الصبا وأوانها يطيب أنفاس الرياح ترابها * ويخضلّ من دمع الغمائم بأنها ولما عطفت الناظرين بلفتة * إلى الدار عبرة العين شانها ليالي تثنيني عواطف صبوتي * إلى بدويات تثنى لداتها