القاضي التنوخي
87
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
وكان يخرج إلى حامد ، في كل يوم ، دفاتر ، ممّا حمل من دور أصحاب الحلَّاج ، وتجعل بين يديه ، فيدفعها إلى أبي ، ويتقدّم إليه ، بأن يقرأها عليه ، فكان يفعل ذلك دائما . فقرأ عليه في بعض الأيام ، من كتب الحلَّاج ، والقاضي أبو عمر « 1 » حاضر ، والقاضي أبو الحسين ابن الأشناني « 2 » ، كتابا حكى فيه ، أنّ الإنسان إذا أراد الحجّ ، ولم يمكنه ، أفرد في داره بيتا ، لا يلحقه شيء من النجاسة ، ولا يدخله أحد ، ومنع من تطرقه ، فإذا حضرت أيام الحج ، طاف حوله ، طوافه حول البيت الحرام ، فإذا انقضى ذلك ، وقضى من المناسك ما يقضي بمكة مثله ، جمع ثلاثين يتيما وعمل لهم أمرأ ما يمكنه من الطعام ، وأحضرهم إلى ذلك البيت ، وقدّم إليهم ذلك الطعام ، وتولى خدمتهم بنفسه ، فإذا فرغوا من أكلهم ، وغسل أيديهم ، كسا كل واحد منهم قميصا ، ودفع إليه سبعة دراهم ، أو ثلاثة - الشكّ مني - فإذا فعل ذلك ، قام له مقام الحج . فلما قرأ أبي هذا الفصل ، التفت أبو عمر القاضي إلى الحلَّاج ، وقال له : من أين لك هذا ؟ قال : من كتاب الإخلاص للحسن البصري « 3 » . فقال له أبو عمر : كذبت يا حلال الدم ، قد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن البصري بمكة ، وليس فيه شيء مما ذكرته . فلما قال أبو عمر : كذبت يا حلال الدم ، قال له حامد : اكتب بهذا . فتشاغل أبو عمر بخطاب الحلَّاج ، فأقبل حامد ، يطالبه بالكتاب بما قاله ،
--> « 1 » القاضي أبو عمر محمد بن يوسف الأزدي : ترجمته في حاشية القصة 1 / 10 من النشوار . « 2 » القاضي أبو الحسين عمر بن الحسن بن علي بن مالك الشيباني المعروف بابن الأشناني : ترجمته في حاشية القصة 4 / 11 من النشوار . « 3 » أبو سعيد الحسن بن يسار البصري : ترجمته في حاشية القصة 3 / 36 من النشوار .