القاضي التنوخي
86
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
إلى دار العامة ، وجلسنا في رواقها ، وحضر هارون بن عمران الجهبذ « 1 » ، فجلس بين يدي أبي ، ولم يحادثه ، فهو في ذاك ، إذ جاء غلام حامد الذي كان موكلا بالحلَّاج ، وأومأ إلى هارون بن عمران أن يخرج إليه ، فنهض عن المجلس مسرعا ، ونحن لا ندري ما السبب . فغاب عنّا قليلا ، ثم عاد وهو متغيّر اللون جدا . فأنكر أبي ما رآه منه ، وسأله عنه . فقال : دعاني الغلام الموكل بالحلَّاج ، فخرجت إليه ، فأعلمني أنّه دخل إليه ، ومعه الطبق الذي رسم أن يقدمه إليه في كل يوم ، فوجده ملأ البيت من سقفه إلى أرضه ، وملأ جوانبه ، فهاله ما رأى من ذلك ، ورمى الطبق من يده ، وخرج من البيت مسرعا ، وأن الغلام ارتعد ، وانتفض ، وحمّ ، وبقي هارون يتعجّب من ذلك . وبلغ حامدا عن بعض أصحاب الحلَّاج ، إنّه ذكر أنّه دخل إليه ، إلى الموضع الذي هو فيه ، وخاطبه بما أراده ، فأنكر ذلك كلّ الإنكار ، وتقدّم بمساءلة الحجاب والبوابين عنه ، وقد كان رسم أن لا يدخل إليه أحد ، وضرب بعض البوابين ، فحلفوا بالإيمان المغلظة ، أنهم ما أدخلوا أحدا من أصحاب الحلَّاج إليه ، ولا اجتاز بهم ، وتقدّم بافتقاد السطوح ، وجوانب الحيطان ، فافتقدوا ذلك أجمع ، ولم يوجد له أثر ولا خلل . فسئل الحلَّاج ، عن دخول من دخل إليه ، فقال : من القدرة نزل ، ومن الموضع الذي وصل إليّ منه خرج .
--> « 1 » هارون بن عمران الجهبذ : كان جهبذ الدولة ، وكان يقرض بيت المال بفائدة عشرين بالمائة ( راجع القصة 8 / 12 من النشوار ) ، وأخبار هارون بن عمران في كتاب الوزراء للصابي 38 و 90 - 93 و 140 و 177 .