القاضي التنوخي
209
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
133 لقد ذهب الحمار بأم عمرو ودخل عليه كاتبه أبو الحسين ، فوجده يبكي بكاء شديدا ، ويقول : وا انقصام ظهراه ، واهلاكاه . فقلت : ما للشريف ، لا أبكى اللَّه عينه ؟ فقال : ماتت الكبيرة ، يريد أمّه ، وكان بارّا بها . فقلت : ماتت ؟ قال : نعم . فشققت جيبي ، وأظهرت من الجزع ما يجب لمثلي ، ثم إنّي أنكرت الحال ، إذ لم أجد لذلك دليلا . لا أحد يعزّيه ، ولا في الدار حركة ، فبقيت حائرا حتى أتت الخادمة ، فقالت : الكبيرة تقرؤك السلام ، وتقول لك : أيش تأكل اليوم ؟ قال : قولي لها ، ومتى أكلت قط بغير شهوتك ؟ فقلت : يا سيدي ، والكبيرة في الحياة ؟ فقال : وأيش تظن أنها ماتت من حق ؟ إنّما رأيت البارحة في المنام ، كأنّها راكبة على حمار مصري ، تسقيه من النيل ، فذكرت قول الشاعر : لقد ذهب الحمار بأم عمرو الملح والنوادر للحصري 223