القاضي التنوخي

179

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

قال : بلى ، فحدّث ، فإن نفسي ما طلبت منّي شيئا إلَّا وقد نالته ما خلا هذا الحديث ، فإني كنت أحب أن أقعد على كرسي ، ويقال لي من حدّثك ؟ فأقول : حدّثني فلان . قال : فقلت يا أمير المؤمنين ، فلم لا تحدّث ؟ قال : لا يصلح الملك والخلافة مع الحديث للناس « 1 » . تاريخ بغداد للخطيب 11 / 198

--> « 1 » المأمون أحد أعاظم الملوك في سيرته ، وعلمه ، وسعة ملكه ، وصفه المؤرخ ابن دحية بأنه الإمام ، المحدث ، النحوي ، اللغوي ، أمر بترجمة كتب العلم والفلسفة ، وأتحف ملوك الروم بالهدايا سائلا أن يصلوه بما لديهم من كتب الفلاسفة ، فبعثوا إليه بعدد كبير من كتب أفلاطون ، وأرسطاطاليس ، وأبقراط ، وجالينوس ، وأقليدس ، وبطليموس ، وغيرهم ، فاختار لها مهرة التراجمة ، فترجمت ، وحض الناس على قراءتها ، فقامت دولة الحكمة في أيامه ، وقرب العلماء ، والفقهاء ، والمحدثين ، والمتكلمين ، وأهل اللغة ، والأخبار ، والمعرفة بالشعر والأنساب ، وأطلق حرية الكلام للباحثين ، وأهل الجدل والفلاسفة ( الأعلام 4 / 287 ) وبلغ من سعة صدره ، واحترامه لحرية الاعتقاد ، أنه أباح في مجلسه المناظرة في المذاهب ، فمن ناصر لمذهب الإمامية ، ومن ناصر لمذهب الزيدية ، وإذا تطاول أحد المتناظرين على صاحبه رده إلى الصواب ، وقال له : إنا قد أبحنا الكلام ، وأظهرنا المقالات ، فاجعلا بينكما أصلا ، فإن الكلام فروع ، فإذا افترعتم شيئا رجعتم إلى الأصول ( تاريخ بغداد لابن طيفور 15 و 16 ) .