القاضي التنوخي

178

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

فقلت : وما سببها ؟ فامتنع من ذكر السبب . فألححت عليه ، فقال : مات أبي ، وسنّي عشرون سنة ، وخلَّف لي نعمة صغيرة ، ورأس مال ، ومتاعا في دكَّانه ، وكان خلقانيّا في الكرخ « 1 » . فقال لي لمّا حضرته الوفاة : يا بنيّ ، إنّه لا وارث لي غيرك ، ولا دين عليّ ، ولا مظلمة ، فإذا أنا متّ ، فأحسن جهازي ، وصدّق « 2 » عني بكذا وكذا ، وأخرج عني حجّة بكذا وكذا ، وبارك اللَّه لك في الباقي ، ولكن احفظ وصيّتي . فقلت : قل . فقال : لا تسرف في مالك ، فتحتاج إلى ما في أيدي الناس ولا تجده ، واعلم أنّ القليل مع الإصلاح كثير ، والكثير مع الفساد قليل ، فالزم السوق ، وكن أوّل من يدخلها ، وآخر من يخرج منها ، وإن استطعت أن تدخلها سحرا بليل « 3 » ، فافعل ، فإنّك تستفيد بذلك فوائد ، تكشفها لك الأيّام . ومات ، وأنفذت وصيّته ، وعملت بما أشار به ، وكنت أدخل السوق سحرا ، وأخرج منها عشاء ، فلا أعدم أن يجيئني من يطلب كفنا ، فلا يجد أحدا قد فتح غيري ، فأحكم عليه ، ومن يبيع شيئا ، والسوق لم تقم ، فأبيعه له ، وأشياء من الفوائد . ومضى على لزومي السوق سنة وكسر ، فصار لي بذلك جاه عند أهلها ، وعرفوا استقامتي ، فأكرموني . فبينا أنا جالس يوما ، ولم يتكامل السوق ، إذا بامرأة راكبة حمارا

--> « 1 » ( 1 ) الثوب الخلق : هو الثوب البالي ، والخلقاني : كما يتضح من القصة ، الذي يبيع الأقمشة الرخيصة الثمن . « 2 » ( 2 ) صدق : بمعنى تصدق . « 3 » ( 3 ) السحر ، بفتح السين والحاء : وجمعه أسحار ، آخر الليل .