القاضي التنوخي

115

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

فقلت : السمع والطاعة . فلما كان من الغد شهر ابن أبي الساج ببرنس « 1 » ، فبدأت ، فقرأت ، * ( وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَه ُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) * « 2 » وأتبعتها بكل ما في القرآن من هذا الجنس . قال : وحانت مني التفاتة ، فوجدت ابن أبي الساج يبكي . ومضى ذلك اليوم . فلمّا كان بعد أيّام ، رضي عنه السلطان ، بشفاعة مؤنس ، فأطلقه إلى داره . فأنا كنت يوما بحضرة مؤنس أقرأ ، إذ استدعاني وقال لي : قد طلبك اليوم ابن أبي الساج ، فامض إليه . فقلت له : أيّها الأستاذ ، اللَّه ، اللَّه ، فيّ ، لعلَّه وجد في نفسه من قراءتي ذلك اليوم . فضحك ، وقال : امض إليه . فمضيت إليه ، فرفعني ، وأجلسني ، وقال : أحبّ أن تقرأ تلك الآيات التي قرأتها بين يديّ يوم كذا . فقلت : أيّها الأمير ، تلك حالة اقتضت ذلك ، وليس مثلك بمؤاخذ مثلي عليها ، وقد كشفها اللَّه الآن ، ولكن أقرأ لك غيرها . فقال : لا ، إلَّا تلك ، فإنّه تداخلني لها خشوع وخوف ، أحبّ أن أكسر به نفسي ، فردّد سماعها عليّ . قال : فاستفتحت ، فقرأتها ، فما زال يبكي وينتحب ، إلى أن قطعت القراءة .

--> « 1 » ( 1 ) البرنس : كل ثوب يكون غطاء الرأس جزءا منه متصلا به . « 2 » ( 2 ) . 103 ك هود 11 .