القاضي التنوخي
80
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
فلما قربت من البستان ، استقبلني فيج « 1 » ، معه كتب . فقلت له : من أين وردت ؟ فقال : من الرقّة « 2 » . فتتبّعت نفسي ، أن أقف على كتبه ، وأخبار الرقّة ، وأسعارها . فقلت له : تعرفني ؟ فقال : نعم . فقلت : أنت قريب من بستان لي ، فتعال معي ، حتى أهب لك دنانير ، وأغيّر حالك ، وأطعمك ، وتستريح الليلة في [ 64 ] البستان ، وتدخل بغداد غدا . فقال : نعم . ومشى معي راجعا ، حتى دخل البستان ، فأمرت من فيه ، أن يدخله حمّاما فيه ، ويغيّر ثيابه ببعض ثياب غلماني ، ويطعمه . فابتدوا « 3 » معه في ذلك . وتقدّمت إلى غلام لي فاره ، فسرق كتبه ، وجاءني بها ، ففتحتها ، وقرأت جميع ما فيها ، وعرفت من أسرار التجّار الذين يعاملوني شيئا كثيرا ، وتفرّجت بذلك . ووجدت جميع الكتب ، محشوّة إلى التجار ، بأن يتمسّكوا بما في أيديهم من الزيت ، ولا يبيعوا منه شيئا ، فإنّه قد غلا عندهم وعزّ ، ويوصونهم بحفظ ما في أيديهم .
--> « 1 » الفيج : الساعي الذي يحمل الرسائل . « 2 » الرقة : على وجه التعميم ، كل أرض ينبسط عليها الماء ثم ينحسر عنها ، وجمعها رقاق ( حاشية القصة 2 / 57 من النشوار ) ، وعلى وجه التخصيص ، هناك ستة مواضع بهذا الاسم ، والمقصود في هذه القصة مدينة مشهورة على ضفة شرقي الفرات بالجزيرة في ديار مضر ، وقد خربت ( المشترك وضعا 208 ) . « 3 » ابتدوا : عامية بغدادية ، ما زالت مستعملة ، بمعنى ابتدأوا .