القاضي التنوخي

108

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

فقلت لغلامي : احمل كلما بقي عندنا من الشراب ، فجاء الغلام بأدنّ « 1 » يسيرة . وقلت له : أن يحمل شيئا من التفاح الشاميّ . فحمل ممّا كان في العسل ، عدّة تفاحات ، ومسحها من العسل ، وكان في بعضه قد بقيت منه بقيّة صالحة . فلمّا وضعت الدنان بين يديه ، أمرت غلامي ، ببزلها في قدح [ 88 ] ، وشربت منه أوّلا ، ثم دفع إليه ، فاستحسن ذلك . ثم أخذ التفّاح ، فلما رأى لونه ، رأى شيئا غير ما عنده ، وشمّه ، فكاد أن يشهق استطابة ، وشربه ، وتقدّح « 2 » بشيء من التفّاح ، وقد كنت كسرت واحدة ، وأكلت نصفها في حال شربه ، وتركت النصف الآخر بين يديه « 3 » ، فتنقّل به ، ومسح فاه . ثم قال لي : ما ظننت أنّ في الدنيا مثل هذا الشراب ، ولا مثل هذا

--> « 1 » الدن : أصغر من الحب ، ويتخذ ليحفظ فيه الشراب ، وجمعه دنان . « 2 » تقدح : هنا بمعنى تنقل ، أي أكل النقل ، وهو ما يؤكل مع الشراب ، ويسمى في بغداد : المزه ، إشارة إلى طعمها المز ، أي الذي يضرب إلى الحموضة ، وقد أورد صاحب مطالع البدور 1 / 141 أسماء أنواع كثيرة من النقل ، كالسفرجل ، والرمان المز ، والتفاح ، والكمثرى ، والزعرور ، والفستق ، واللوز ، والبغداديون اليوم ، يتنقلون على العرق ، وهو المقطر من التمر والعنب ، بالباقلاء المسلوقة ، واللبن الرائب ويسمونه : الروبة ، والحمص المسلوق ، ويسمونه : لبلبي ، والخيار ، وكان القدماء يرون أن ترك التنقل أولى ( مطالع البدور 1 / 141 ) ، وكذلك البغداديون الآن ، وهم يطلقون على من يجيد الشرب ، كلمة : شراب ، على وزن فعال ، ويقولون : الشراب مزته جمع ( بكسر الجيم والميم ) ، يعني أنه بعد أن يشرب كأسه ، يمسح شفتيه بقبضة يده مجموعة ، ويكتفي بذلك نقلا . « 3 » يلاحظ أن آيين المنادمة يفرض على النديم أن يقبل يد الملك أولا ثم يقبل القدح ثانيا ويشرب ، وإذا قدم للملك شرابا أو مأكلا ، فإن عليه أن يتناول منه قبل الملك .