القاضي التنوخي

109

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

النّقل ، ولقد بعد في نفسي ما أخبرتني به ، فلما شاهدته صدّقتك ، وعظم في نفسي بلد يكون مثل هذا فيه مبتذلا ، ولم أصدّق ذلك لو لم أشاهده . ثم قال لي : ويحك ، تشربون مثل هذا ، وتتنقّلون بمثل هذا ، وتموتون ؟ إنّ هذا لأمر عجيب . ثم صار يستدعيني ، كلّ يوم ، إلى تلك الحجرة ، فآكل معه ، ونشرب ، ويخرج إليّ بالأحاديث . فلما أنست به ، قلت له : أيّها الملك ، أتأذن لي ، أن أسأل عن شيء ؟ قال : قل . قلت : إنّ اللَّه عزّ وجل ، قد جمع لك من [ 89 ] الملك العظيم ، أنّك جالس في هذه الحجرة في قطعة من دار الخلافة بالعراق ، بلا فرق ولا شكّ ، وقد أعطاك من حسن الرأي والفهم ، واللسان العربيّ ، ما جعلك به ، كأنّك رجل من أهل بغداد ، فمن أين لك هذا ؟ فقال : ويحك ، إنّ أبي كان من أولاد الملوك ، وقتل أبوه ، وانتزى على ملكه بعض قوّاده ، ثم خرج عليه ، ولم يكن من أهل بيت الملك ، فهرب أبي خوفا على دمه ، إلى عمان ، فدخلها مستخفيا ، وتنقّل في البلدان ، إلى أن وقع ببغداد ، في زيّ التجّار ، ومعه من يخدمه ، ويكتم أمره ، وطاف بلدان العراق ، وكانت المادة تحمل إليه من هاهنا . فأقام بالعراق سنين ، حتى تفصّح بالعربية ، وعاشر أهل العراق ، ونكح منهم ، وخالطهم ، وتطاولت السنون به ، ومات ذلك الخارجيّ ، الذي قتل أباه ، وغصبه الملك ، فأوقف أهل المملكة الملك عليه ، وكاتبوه بالصورة ، واستقدموه ، وأمدّوه بالأموال ، فاستصحب قوما من [ 90 ] العراقيّين ، من أهل الأدب والعشرة ، وأهل الصنائع ، فقدم ، فملك الأمر ، وجعل غرضه ،