القاضي التنوخي
56
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
فلما انقضت الخطبة ، قيل له : اخطب على البنت الأخرى ، للابن الآخر . فكره الإطالة ، لئلا يضجر الخليفة ، وأراد التقرّب إليه ، فحمد اللَّه سبحانه بكلمتين ، ثم قرأ آية من القرآن ، وعقد النكاح . فنهض المقتدر مبادرا لشدّة الحرّ ، ووقع ذلك عنده ألطف موقع لأبي عمر . قال : فعاد ابن الحواري إلى داره ، وجئت ، فجلست عنده أحادثه ، وأتطايب له ، وأغمز رجله . فقال : جرى اليوم لأبي عمر القاضي كلّ جميل ، ووصفه الخليفة ، وقرّظه ، واستحسن إطالته في الخطبة الأولى ، وإيجازه في الثانية ، وقال : مثل هذا الرجل ، وفيه هذا الفضل ، لم لا نزيد في الإحسان إليه ؟ فقرّرت مع الخليفة ، بأن يزيده في أرزاقه وأعماله ، كذا وكذا ، فأمرني بتنجيز ذلك له من الوزير . قال : وكان ابن الحواري ، صديقا لأبي عمر . فلما سمعت ذلك ، دعتني نفسي إلى أن أستبق بالخبر ، إلى أبي عمر ، لأستحقّ البشارة ، وأتقرّب إليه . وطال عليّ الوقت ، حتى نام أبو القاسم ، فركبت دابّتي ، وجئت إلى أبي عمر ، فأنكر مجيئي ذلك الوقت [ 124 ط ] ، وعلم أنّه لمهمّ ، فأوصلني ، فجلست ، وهنّأته ، وحدّثته بالحديث على شرحه . فقال أبو عمر : أطال اللَّه بقاء أمير المؤمنين ، وأحسن اللَّه جزاء أبي القاسم ، ولا عدمتك . فاستقللت شكره ، وولَّد لي فكرا ، مع ما بان لي في وجهه من التعجّب منّي . فلمّا خرجت ندمت ندما شديدا ، وقلت : سرّ السلطان ، أفشاه إلى رجل عنده فوق الوزير ، فباح ذلك الرجل به بحضرتي وحدي ، لا يسرّه