القاضي التنوخي

58

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

وقال بعضهم : يقطع إبهامه . وقال بعضهم : يضرب ويحبس . وقال بعضهم : يكشف لأبي زنبور أمره ، ويتقدم إليه بطرده ، ويقتصر به على الحرمان مع بعد الشقّة « 1 » . فقال ابن الفرات : ما أبعد طباعكم عن الجميل ، وأنفرها من الحرّية « 2 » ، رجل توسّل بنا ، وتحمّل المشقّة إلى مصر ، وأمّل بجاهنا الغنى ، ولعلَّه كان لا يصل [ 19 ط ] إلينا ، ولا حرمة له بنا فيأخذ كتبنا ، فخفّف عنّا بأن كتب لنفسه ما قدّر أنّ به صلاحه ، ورحل ملتمسا للرزق ، وجعلنا سببه ، يكون أحسن أحواله عند أجملكم محضرا الخيبة ؟ ثم ضرب بيده إلى الدواة ، وقلب الكتاب المزوّر ، ووقّع عليه « 3 » بخطه : هذا كتابي ، ولا أعلم لأيّ سبب أنكرته . ولا كيف استربت به ، كأنّك عارف بجميع من خدمنا في النكبة ، وأوقات الاستتار ، وقديم الأيّام ، وقد أحطت علما بجميعهم ، فأنكرت أبا فلان هذا - أعزّه اللَّه - من بينهم ، وحرمته بي أوكد ممّا في هذا الكتاب ، وسببه عندي أقوى ممّا تظنّ ، فأجزل عطيّته ، وتابع برّه « 4 » ووفّر حظَّه من التصرّف فيما يصلح له ، وافعل به واصنع ، وأصدر الكتاب في الحال . فلما كان بعد مدّة طويلة ، دخل عليه رجل جميل الهيئة ، حسن الزيّ والغلمان ، فأقبل يدعو له ، ويبكي ، ويقبّل الأرض بين يديه ،

--> « 1 » في ط : مع السفر الطويل والمشقة اللاحقة له . « 2 » الحرية : شرف النفس . « 3 » في ط : على ظهره . « 4 » في ط : وبالغ برّه .