القاضي التنوخي

53

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

فعسفا الأسارى ، وأجاعاهم ، وأعرياهم ، وعاقباهم ، وطالباهم بالتنصّر ، وأنّهم في جهد جهيد ، وبلاء شديد ، وليس هذا ممّا لي فيه حيلة ، لأنّه أمر لا يبلغه سلطاننا ، والخليفة لا يطاوعني ، فكنت أنفق الأموال ، وأجتهد ، وأجهّز الجيوش حتى تطرق القسطنطينية . فقلت [ 19 ب ] أيّها الوزير ، هاهنا رأي أسهل ممّا وقع لك ، يزول به هذا . فقال : قل يا مبارك . فقلت : إنّ بأنطاكية عظيما للنصارى يقال له البطرك « 1 » ، وببيت المقدس آخر يقال له القاثليق « 2 » ، وأمرهما ينفذ على ملك الروم ، [ حتى انّهما ربّما حرما الملك فيحرم عندهم ، ويحلَّانه فيحلّ ] « 3 » . وعند الروم انّه من خالف منهم هذين فقد كفر ، وانّه لا يتمّ جلوس الملك ببلد الروم إلَّا برأي هذين ، وأن يكون الملك قد دخل إلى بيعتهما ، وتقرّب بهما ، والبلدان في سلطاننا [ 17 ط ] ، والرجلان في ذمّتنا ، فيأمر الوزير بأن يكتب إلى عاملي البلدين بإحضارهما ، وتعريفهما ما يجري على الأسارى ، وانّ هذا خارج عن الملك ، وانّهما إن لم يزيلا هذا ، لم يطالب بجريرته غيرهما ، وينظر ما يكون من الجواب . قال : فاستدعى كاتبا ، وأملى عليه كتابين في ذلك « 4 » ، وأنفذهما في الحال ، وقال : سرّيت عنّي قليلا ، وافترقنا . فلما كان بعد شهرين وأيّام ، وقد أنسيت الحديث ، جاءني

--> « 1 » البطرك والبطريك والبطريرك جمعها بطاركة وبطاريك : رئيس الأساقفة . « 2 » الجاثليق والجثليق جمعها جثالقة ، متقدم الأساقفة ، يونانية . « 3 » انفردت ب بهذه الجملة . « 4 » في ط : كتبا في هذا المعنى .