القاضي التنوخي
54
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
فرانق « 1 » من جهته يطلبني ، فركبت وأنا مشغول القلب بمعرفة السبب في ذلك ، حتى وصلت إليه ، فوجدته مسرورا ، فحين رآني قال : يا هذا ، أحسن اللَّه جزاءك عن نفسك ودينك وعنّي . فقلت : ما الخبر ؟ قال : كان رأيك في أمر الأسارى أبرك رأي وأصحّه ، وهذا رسول العامل قد ورد بالخبر ، وأومأ إلى رجل كان بحضرته ، وقال له : خبّرنا بما جرى . فقال الرجل : أنفذني العامل مع رسول البطرك والقاثليق ، برسالتهما إلى قسطنطينية « 2 » وكتبا إلى ملكيها : إنّكما قد خرجتما عن ملَّة المسيح بما فعلتماه بالأسارى وليس لكما ذلك ، فإنّه حرام عليكما ، ومخالف لما أمرنا به المسيح من كذا وكذا ، وعدّدا أشياء في دينهما ، فإمّا زلتما عن هذا ، واستأنفتما الإحسان إلى الأسارى ، وتركتما مطالبتهم بالتنصّر ، وإلَّا لعنّا كما على هذين الكرسيّين وحرمنا كما . قال : فمضيت مع الرسول ، فلما صرنا بقسطنطينية ، حجبت عن الملكين أيّاما ، وخليا بالرسول « 3 » ، ثمّ استدعياني إليهما ، فسلَّمت عليهما ، فقال لي ترجمانهما : يقول لك الملكان ، إنّ الذي بلغ ملك العرب من فعلنا بالأسارى ، كذب وتشنيع ، وقد أذنّا في إدخالك دار البلاط لتشاهد أساراكم ، فترى أحوالهم بخلاف ما بلغكم ، وتسمع من شكرهم لنا ، ضدّ ما اتّصل بكم .
--> « 1 » الفرانق : الساعي المكلف بنقل الرسائل . « 2 » قسطنطينية : وكان اسمها بزنطية فسميت قسطنطينية باسم قسطنطين الأكبر الذي انتقل إليها وبنى سورها وهي دار ملك الروم وتسمى اصطنبول ، ( معجم البلدان 4 / 95 ) . « 3 » في ط : ثم جلسا لي وللرسول .