القاضي التنوخي

154

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

واستخبر بذلك أهل عسكر الخائن ، وكانوا يصيحون بنا في كلّ يوم : ملَّحوه ، أي : قد مات الموفّق ، فاجعلوه مكسودا « 1 » . فأجمع رأي الطبّ على بطَّه ، فلم يمكَّنهم الموفّق من ذلك . فقالوا للمعتضد : إنّه إن لم يبطَّ ، عمل إلى داخل ، فأتلفه . فقال : احتالوا عليه وبطَّوه ، وأنا أمنعكم منه « 2 » . فطوّل أحد الطب ، ظفر إبهامه اليمين ، وجعل تحته حديدة مبضع ، وجاء إلى الموفّق ، فقال : أيّها الأمير ، دعني أجسّه ، وأنظر كيف هو . فقال : لعلَّك تبطَّه ؟ فأراه يده ، وقال : كيف أبطَّه ، وليس في يدي حديد ، فمكَّنه منه ، فجسّه وخرقه بالمبضع من أوّله إلى آخره مستعجلا ، فندر الزجّ وخرج ، وتبعته مدّة عظيمة وقيح . ففزع الموفّق في حال البطَّ ، لمجيئه على غفلة ، فلكم « 3 » الطبيب ، فقلبه عن مكانه ، فلمّا استراح بما خرج من الموضع ، ووجد خفّة ، خلع على الطبيب ، وأجازه ، وعولج إلى أن برئ . وجعل أبو العباس وكده « 4 » طلب قرطاس ، وكان إذا رآه في الحرب ، طرح نفسه لأخذه ، فيحاربه قرطاس أشدّ حرب ، ويقول له بعجمته : « يا بلئباس ، يريد يا أبا العبّاس ، إن وقعت في يدك ، قدّ مني أوتارا » . قال : فلم يزل المعتضد يجهد نفسه في أمره ، حتى أخذه أسيرا ، وقد

--> « 1 » المكسود : اللحم يطبق بالملح ويحفظ لاستعماله في الشتاء ، وهذه الكلمة لم تزل مستعملة في الموصل وفي شمال العراق . إذ إن الناس في وسط العراق وجنوبه لا يحفظون اللحم . « 2 » في ب وط : امنعه منكم . « 3 » في ط : فلطم . « 4 » الوكد : السعي والجهد .