النويري

41

نهاية الأرب في فنون الأدب

السابعة ، ولها باب من جهة البر وبقيتها في البحر ، فتقدم العسكر لمحاصرتها وأخذ النقّابون في النقوب يوما وليلة ، فانتقل من كان بها إلى قلعة هناك في وسط البحر تسمى قلعة أطلس ، وإلى أبراج ثلاثة ، منها برج مثمّن وأشعلوا النيران بالليل فيها ، وأحرقوا [ 1 ] ما تركوه بها من أعواد المجانيق والأمتعة وغير ذلك ، فملكها المسلمون ، وارتفع الصنجق السلطاني عليها ، وشرع العسكر في إخرابها فعلَّقها النقابون ، وأطلقت فيها النيران ، فهدمت في البحر وحصر الأرمن بالقلعة والأبرجة التي في البحر ، والوصول إليها متعذر لبعدها عن البر ، فنصبت المجانيق السلطانية على القلعة الكبرى ، ونصب الأرمن أيضا مجانيقهم على العسكر ، وتراموا بها فاتفق الأمراء على أن العسكر يردم ما بين المدينة وبين القلعة والأبرجة من البحر ، فتعذر عليهم لعمق البحر ، وبعد المسافة ، فنصبوا جسورا من الأخشاب والبتاتىّ ، فانتهت إلى مقدار ثلثي المسافة إليها ، هذا والمجانيق ترمى بأحجارها من كل من الطائفتين ووصل النقابون إلى البرج المثمّن ، فسأل من به الأمان على أن يسلَّموه فأجيبوا إلى ذلك ، ثم نكثوا ، ورجعوا عن التسليم ، فوصل المسلمون إليه ، وشرع النقابون في تعليقه ثم يسر الله تعالى الفتح ، فحصل الاستيلاء على ذلك برا وبحرا في يوم الأحد والعشرين من شهر ربيع الآخر ، ودخل العسكر إلى بلاد سيس ، وأغاروا ووصلوا إلى قلعة كوارا ، ثم عادت العساكر المنصورة إلى مستقرها من الممالك ، ولما حصل هذا الحصار أمر الباب [ 2 ] - وهو الحاكم على ملوك الفرنج - من تحت يده وطاعته منهم أن يتوجهوا إلى ثغر اللاذقية ويحاصروه لعلهم ينالون [ 3 ] منه منالا ، لاشتغال العساكر الإسلامية بثغر آياس ، فعمّر الفرنج نحو تسعين شينيا وشحنوها بالرجال والمقاتلة ، وقصدوا ثغر اللاذقية وبه يومئذ الأمير شرف الدين عيسى بن البرطاسى فاجتهد في أمر الثغر ، واحترز فأقامت تلك الشوانى أياما في البحر قبالة ثغر اللاذقية ، ثم عادت إلى أماكنها ولم يظفروا بشئ ، وكفى الله تعالى شرهم وله الحمد والمنة ؛ ولنذكر خلاف ذلك ما اتفق .

--> [ 1 ] في الأصل : ( وحرقوا ) . [ 2 ] الباب : يريد « البابا » فهكذا كان مؤرخو هذه الفترة يكتبون اسمه ، وانظر صبح الأعشى ( 5 / 408 ) . [ 3 ] بالأصل « ينالوا » والصواب ينالون .