النويري

21

نهاية الأرب في فنون الأدب

نهار السبت المذكور استغاث العوامّ والحرافيش ، وبلغنى من جماعة أنهم رفعوا أعلاما ثلاثة : أحدها أبيض ، والثاني أحمر ، والثالث عليه صليب ، فتغافل السلطان عن ذلك ، ولم يأمر فيهم بشئ ، فلما وقع منهم هذا الفعل اشتد غضبه ، وجرّد جماعة من الحجّاب والنقباء والمماليك حتى أوصلوا كريم الدين إلى داره . ثم ذكر السلطان هذه الواقعة لأكابر الأمراء كل منهم على انفراده ، فبدأ بالأمير سيف الدين بكتمر الأبى بكرى [ 1 ] ، واستشاره فيما يفعل في ذلك ، والمذكور رجل تركى جافى الطبع ، عديم السياسة ، فقال للسلطان : المصلحة أن السلطان يرسل إلى العوام فيقول لهم : يا خوشداشيّة [ 2 ] أنتم رعايانا والسواد الأعظم ، وإن كنتم قد كرهتم هذا الخنزير عزلناه عنكم ، وولينا غيره ، ونطيّب خواطرهم ، فغضب السلطان من كلامه ، وشتمه واستقل عقله ، وسفّه رأيه ، وواجهه بالسب ، ونفر في وجهه ، وكان من أمره ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى . ثم استشار الأمير جمال الدين آقش الأشرفى [ 3 ] بعده ، ولم يعلم ما قاله الأمير سيف الدين المذكور ، ولا ما قيل له ، فقال : يا مولانا السلطان ، الناس قد كرهوا هذين الرجلين - يشير إلى كريم الدين الوكيل ، وكريم الدين الناظر - والمصلحة عزلهما ، وصدقات السلطان كثيرة تشملهما في العطلة كما تشملهما في العمل - أو نحو هذا ومعناه من الكلام - وإذا عزلهما السلطان سكنت هذه الفتنة ، فكره السلطان كلامه أيضا ، لكنه لم يواجهه بما واجه به الأبى بكرى ، بل قال له : والله لا بد أن آمر بوضع السيف في العوامّ ، وسفك دمائهم ، حتى لا يتجرّأ من بعدهم من العوام على الملوك .

--> [ 1 ] بكتمر الأبوبكرى : من أكابر الأمراء في دولة الناصر ، تنقل من الجندية إلى الطبلخاناه ، ثم عظم قدره إلى أن صار أمير سلاح ، غضب عليه السلطان سنة 722 فسجنه بالقلعة ، فبقى في سجنه إلى أن مات في شعبان 728 ه ( الدرر 1 / 482 ) . [ 2 ] خوشداشية : الفرد خوشداش ، وهو لفظ مركب من خوش - طيب أو جيد وداش ( في التركية ) نا للمتكلمين ويمكن تفسيره ب « يا رفاقنا الطيبين » . [ 3 ] آقش الأشرفى : جمال الدين البرناق المعروف بنائب الكرك ، وانظر ترجمته في : الدرر ( 1 / 395 ) ، وليلاحظ أن المدة في آق وآقش علامة تفخيم الحرف التالي لها في اللغة التركية .