النويري

22

نهاية الأرب في فنون الأدب

ثم استدعى الأميرين : سيف الدين بكتمر الحسامى الحاجب . كان . وسيف الدين الملك الحاج [ 1 ] . وهما من الأمراء الأكابر الخصّيصين بخدمة السلطان ويعرفان أخلاقه ، ويبتغيان مراضيه ، فسايراه بالميدان ، فذكر لهما ما فعله العوامّ بكريم الدين ، وقال : هذا الرجل هو وكيلي ووزيري ، والمتصرف في دولتي ، وحرمته من حرمتي ، وقد تجرأ العوام عليه ، ورجموه وأخرقوا [ 2 ] حرمته ، فما الذي تريان أن أفعله في ذلك ؟ فاستعظما فعل العوام ، وقالا : لقد وقع العوامّ في أمر عظيم ما سبقهم أمثالهم إلى مثله ، وكان ينبغي أنهم لما فعلوا ذلك أن يمسك منهم جماعة ، ويوقع بهم من النّكال ما يكفّ غيرهم عن التجرّى والتعدّى . فرسم السلطان أن يتوجّه الحاجب ونقيب النقباء ، وجماعة معهم ، ويقبضوا على من ظفروا بهم من العوام ، فأخبرني الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى المشار إليه قال : والله لما قال السلطان ذلك دخل علىّ وعلى رفيقي من الألم ما علمه الله تعالى ، وعلمنا أننا قد تكلمنا بكلام أوجب سفك دماء جماعة من المسلمين ، فتلطَّفنا بالسلطان ، وقلنا : إن الذي فعل هذا الفعل ، وأقدم على هذا الأمر العظيم علم أنه صاحب ذنب وهرب ، واختلط المذنب بالبرىء ونخشى أن نمسك من لا أذنب ولا أقدم على هذا الأمر ، فنعاقب البرىء بذنب المجرم ، فيكون ذلك في ذمة السلطان ، ونحن لا نختار هذا ، ولكن المصلحة أن يخرج القاضي كريم الدين على عادته ، وتتفرق جماعة من المماليك السلطانية ، فيكونوا بالقرب منه ، لعل البعض يتعرض إليه ، فيمسك منهم من فعل ذلك ، ويعاقب المذنب حقيقة ، ويسلم البرىء ، وتبرأ ذمة السلطان ، قال : ولم نزل نتلطف به ، ونسكن غضبه ، إلى أن سكن حرجه بعض السكون . ولما قرب وقت انصراف السلطان من الميدان أمر الحاجب [ 3 ] والنقباء قبل خروجه بضرب العوامّ والحرافيش ، وطردهم عن طريق السلطان فيما بين

--> [ 1 ] هكذا في « أ » ص 12 و « ك » وفى السلوك : سيف الدين آل ملك الجوكندار الأمير الحاج ، ومثله في ابن حجر ( الدرر 1 / 411 ) والحاج : من ألقاب مقدمى الدولة ومن في معناهم وإن لم يكن قد حج ( عن : صبح الأعشى 6 / 11 ) . [ 2 ] أخرقوا : يريد انتهكوا ، وهذا الفعل يستعمل بهذا المعنى كثيرا عند مؤرخي هذه الفترة . [ 3 ] في « أ » ص 13 ( الحجاب ) بلفظ الجمع .