النويري
49
نهاية الأرب في فنون الأدب
ولو تمكَّن - رضي الله عنه - لأخبره بما وجده من ثواب الجهاد في جنات وعيون ، وبشره بما أعدّه الله لمن فقد من المجاهدين في هذه الغزاة المبرورة بين يديه ، وتلا عليه * ( ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) * [ 1 ] ولأثنى على أمرائه الذين فعلوا من المصابرة والمحافظة ما أوجبه حسن التهذيب منه - رحمه الله - وجميل التربية ، وشكر عزائمهم التي ما ناداها أهل مملكة لكشف خطب إلا أجابوهم بمواقع التّلبية ، واعتدّ بطاعتهم للميّت والحىّ ، وموالاتهم التي ذاعت في كل ناد وحىّ ، والقرّاء حول ضريحه يتلون آيات الله التي كان - رضي الله عنه - بها عاملا ، ولم يزل ربع تقواه بها آهلا ، فشمل مولانا السلطان - خلد الله ملكه - الأنام بالصدقات المتوفرة ، [ 53 ] وسمح من الذهب والفضة بالقناطير المقنطرة ، وازدحمت الأماني على سيبه كما ازدحمت الأعادى على سيفه ، فكان كما قيل : ( قدّاح زند المجد لا تنفكّ من نار الوغى إلَّا إلى نار [ 2 ] القرى ) وركب من التّربة الشريفة والرعايا يدعون بدوام دولته التي أضحت قواعد الأمن بها متينة ، ويرتعون بالمدينة في لهو ولعب وزينة . وسار جواده بين حلىّ وحلل ، فاستوقف الأبصار ، في مسلك حفّت به غرف من فوقها غرف مبنية تجرى من تحتها الأنهار . وعاد إلى قلعته ظافرا عود الحلى إلى العاطل ، وغدت ربوعه الموحشة لبعده بقربه أواهل ، وطلعها في أيمن طالع لا يحتاج معه إلى اختبار ولا رصد ، وحلَّت شمس ملكه في برجها وكيف لا وهو في برج الأسد ، فالله تعالى يمتع الدنيا بملك حمى شاما ومصرا ، وأذاق التتار بعزائمه مصائب تترى .
--> [ 1 ] سورة آل عمران آية 169 . [ 2 ] البيت من مقصورة ابن دريد .