النويري
46
نهاية الأرب في فنون الأدب
أظلتّه سماء أديمها الحرير ، ونجومها الذهب ، وسحبها تنثر اللؤلؤ المكنون ، وحيل بين سنابك خيله وبين الأرض بأثواب من إستبرق تستوقف العيون ، وكوفئت عن وطء الأحجار بالأمس في سبيل الله بوطء الديباج في هذا اليوم ، وكادت الأيدي تلمس معارفها تبركا بترب الجهاد الذي حملت إليه أكرم قوم ، فرأى فيها جنّة أوردت من مناهلها كوثرا ، وكان قد أنهى بين يديه حديث زينتها [ 1 ] فوجد خبرها يجاوز خبرا ، ولم يجد بها عيبا غير أن صباحها حمدت به الأجفان عاقبة السّرى ، وتبرّجت عقائلها نزها للنواظر [ 48 ] ، وتظهر كلّ واحدة منهن في وشى أبهى من الزواهر ، ولبست جدرانها حلل السرور النّضرة ، وأبرزت بعولتهن ما في ذخائرهم ولم يسألوا نظرة إلى ميسرة - وما ثنت [ 2 ] أعطافها - كما أمست وجوه التهاني بها ضاحكة مستبشرة ، ولمّا مر بسبلها حلا له ذلك النّور ، ولمّا سلك بين قصريها تحقق الناس أن أيامه زادت على أيام الخلفاء ؛ فإنها أنشأت قصرين وهذا أنشأ لها قصورا ما بها من قصور ، فمن بروج تمنّت البدور لو كانت لها منازل ، ومن قلاع لو تحصّن بها جان لما دارت عليه دوائر الدهر الغوائل ، ومن قباب علت وليس لها غير الهمم من عمد ، وضربت على السماحة والنّدى فما عدم مشيّدها حسن البناء ولا فقد ، ومن عقود عقد لها على عرائس السعود ، وتمكَّنت في الصّعود ، ومن حلى لو ظفر بها الحسن بن سهل لاتخذ منها لجهاز ابنته على المأمون ما لا ألف مثله في زمنه ولا عهد ، ولو [ 3 ] رآه ابن طولون لاعتضد به في إهداء عقيلته للمعتضد ، ومن أواوين تزرى بإيوان كسرى الذي [ 4 ] تعظَّم بناؤه وتحمّد ، ويستصغر في عين من رأى إيوانا واحدا من هذه ، وكيف لا وذاك هدم في زمن [ 49 ] محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذا عمّر لنصرة محمد ، وذاك أهلك بانيه وزجر ، وهذا أيّد بانيه ونصر ، ومن سواق
--> [ 1 ] في ص ، السلوك 1 : 1037 « رتبتها » والمثبت من ف . [ 2 ] كذا في ص ، وفى السلوك 1037 « وماست » . [ 3 ] في ص ، وف « ولا رآه » والمثبت يقتضيه السياق . [ 4 ] في ص ، ف « التي » .