النويري

40

نهاية الأرب في فنون الأدب

ودخلت ليلة الأحد وهم في حصرهم وقد أوقعهم الله في حبائل مكرهم ، وأراهم من الحصر والضيق ما لا رأوه مدّة عمرهم ، وأيقنوا بالهلاك [ 37 ] ، وتحققوا أن لا خلاص لهم من تلك الأشراك ، ولو سمعوا ما سبق من الإنذار لما أتوا للمبارزة مظهرين ، ولو علموا سوء صباحهم كفروا عشاء ونجوا من قبل أن يتلى في حقهم * ( فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ ) * [ 1 ] وأصبح الإسلام يوم الأحد في قوته المنيعة ، وأرواح العدى في أجسادهم وديعة ، ومولانا السلطان يصطبح من دمائهم كما اغتبق ، ويريهم عزما ينثر عقد اجتماعهم الذي انتظم واتّسق ، ويفهمهم أنّه لا مردّ له عن مراد الصّوارم ، وأنه لا يفارق الجبل حتى يجعل عوض أحجاره جماجم ، وأمراؤه - أعزّ الله نصرهم بين يديه - أولو همم في الحرب وأولو عزائم ، * ( يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ) * [ 2 ] يعدّون المصابرة في طاعة الله وطاعة سلطانهم غنيمة جمعت لهم أسباب الفخار ؛ ويمتازون بأنّ منهم من هاجر إليه ، ومنهم من نصره ، فعدّوا - حقا - كونهم مع محمد تابعي المهاجرين والأنصار ، وزحف السلطان وبين يديه أمراؤه وعساكره المؤيدة فضيقوا عليهم الخناق ، وأحدقوا بهم إحداق الهدب بالأحداق ، وراسلوهم بالسهام ، وشافهوهم بالكلام لا الكلام ، ورفعوا من راياتهم [ 38 ] المنصورة ما طاول المنشآت في البحر كالأعلام ، وحمل بها الأبطال ، فكلما رآها العدى تهتزّ بتحريك نسيم النّصر سكنوا خوف الحمام ، ثم فرّجوا لهم عن فرجة من جانب الجبل ظنّوها فرجا ، وخيّل لهم أنّه من سلك تلك الفرجة سلك طريقا مستقيما ، وما دروا أنه سلك طريقا عوجا ، واستترت لهم الجيوش المنصورة إلى الوطاة لتمكَّن سيوفها من سفكهم ، ويقرب مدى هلكهم ، وتسلمهم إلى الحمام الذي لا ينجى منه خيل ولا جبل ، وتملأ الوطاة من دمائهم ، فتساوى السهل من قتلاهم بالجبل ، وحلّ الحمام بساحتهم ، وامتدت الأيدي لاستباحتهم ، وضاقت عليهم المسالك ، وغلبوا هنالك ، وأنزل الله نصره على المؤمنين وأيدهم بجنود لم يروها ، واشترى منهم أنفسهم بأنّ لهم الجنة - فيا طيب ما شروها ، وفرّت من العدو فرقة ،

--> [ 1 ] سورة الصافات آية 177 . [ 2 ] سورة المائدة آية 54 .