النويري

39

نهاية الأرب في فنون الأدب

والقلب ، وهاله جمع الإسلام فأراد أن يخلص بانحيازه من شدة ذلك الكرب ، واستمرت المناضلة تمتد بين الفريقين وتنتشر ، والمؤمنون قد وفّوا بما عاهدوا الله عليه . * ( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَه ومِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ) * [ 1 ] ، ومولانا السلطان يردف مواكبه بحملاته ، ويقدم فتخشى الأعداء مواقع مهابته وترجو الأولياء منافع هباته ، ويرى غمرات الموت ثمّ يزورها ، ويمر في مجال المنايا فيحلوله مريرها ومزورها [ 2 ] ، ويقاسم سيوف العدى شرّ قسمة ، فعلى عاتقه غواشيها [ 3 ] وفى صدورهم صدورها . ولما كان وقت المغرب لجأوا - خذلهم الله [ 36 ] - إلى هضاب اعتقدوا أن فيها النجاة ، وقالوا : نأوى إلى جبل يعصمنا من الموت ونسوا أنه لا عاصم اليوم من أمر الله . راموا النجاة وكيف تنجو عصبة مطلوبة بالله والسلطان ؟ وحصرتهم العساكر الإسلامية بعزائم كالشهاب أو النار [ 4 ] ، ودارت عليهم كالسّوّار والسّوار [ 5 ] ، وصيّرتهم بقدرة الله في ربقة الإسار ، وقاتلتهم الجيوش المنصورة غير مستجنّة بقرى محصّنة ولا من وراء جدار ، تتلظى كبودهم عطشا وجوعا ، ويكادون من شدة الهجير يشربون من سيل قتلاهم نجيعا [ 6 ] ، ويودّون لو كانوا أولى أجنحة ، ويندمون حين رأوا صفقتهم خاسرة وكان ظنهم أنها تكون مربحة ، ويأسفون على فوات النجاة ، ويتحيّرون عند مواقعة الجيوش المؤيدة حيث رأوا ما شملها من نصر ، ويتضرّمون بنار الخيبة على حركتهم التي أدبرت لهم مآبا ، وينظرون فيما أسلفوه من ذنوب ولسان الانتقام يتلو عليهم * ( يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداه ويَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً ) * [ 7 ] .

--> [ 1 ] سورة الأحزاب آية 23 . [ 2 ] كذا في الأصل . [ 3 ] غواشيها : / جمع غاشية وهى غلاف السيف ( لسان العرب ) . [ 4 ] في ص ، وف « النهار » والمثبت من السلوك 1 : 1032 . [ 5 ] السوار - بكسر السين وضمها مع التشديد : حلية للمرأة . وبفتح السين مع التشديد والواو هو من الكلاب الذي يأخذ بالرأس ، وأيضا الرجل يواثب نديمه إذا شرب ، وهو سوار أي وثاب معربد ( لسان العرب ) . [ 6 ] النجيع : هو الدم ، وقيل دم الجوف خاصة ، وقيل هو الطري منه أو المصبوب ( لسان العرب ) . [ 7 ] سورة النبأ آية 40 .