النويري
38
نهاية الأرب في فنون الأدب
تحجم [ 1 ] ، معتقدا أن اللَّه قد بسط يده في البلاد - ويأبى اللَّه إلا أن يقبضها - متخيّلا أنّ هذه الكرّة مثل تلك - ويأبى اللَّه إلا أن يخلف لهذه الأمة بالنصر ويعوّضها - متوهما أن جيشه الغالب ، وعزمه القاهر ، متحققا أنه منصور وكيف ذاك ومعنا الناصر ! ! والتقى الفريقان بعزائم لم يشبها [ 2 ] في الحرب نكول ولا تقصير ، فكان جمعنا وللَّه الحمد جمع سلامة وجمعهم جمع تكسير ؛ وحمى الوطيس ، وحمل في يوم السبت الخميس [ 3 ] على الخميس ، ودارت رحا الحرب الزّبون [ 4 ] ، وغنّت السيوف بشرب الكماة كأس المنون ، والسلطان قد ثبت في موقف المنايا ، حتى كأنه في جفن الرّدى وهو نائم ، ورأى الأبطال من أوليائه جرحى في سبيل اللَّه والأعداء مهزومين [ 5 ] . والوجه منه وضّاح والثغر باسم ، وقابل العدوّ بصدره وقاتل حتى أفنى حديد بيضه وسمره ، وخاطر بنفسه والموت أقرب إليه من حبل الوريد . ونكَّب عن ذكر العواقب جانبا ، ولم يستصحب إلا سيفه المبيد ، واشتد أزرا بامرائه الذين رأوا الحياة في هذا اليوم مغرما ، وعدوّا الممات فيه مغنما وقالوا : لا حياة إلا بنصر الإسلام ، ولا استقرار حتى تطأ بين يدي السلطان سنابك الخيول هذه الهام ، وما أعددنا العزائم [ 35 ] إلا لهذا الموقف ، ولا أحددنا الصوارم وخبأناها إلا لنبذلها في السفك فنسرف [ 6 ] ، وهم بين يدي سلطانهم يحثّون جيوشهم على المصابرة ، ويقولون : هذا يوم تصيبنا فيه إحدى الحسنيين : فإما سعادة الدنيا وإما جنة الآخرة ، وقالت الملائكة للجيوش المنصورة : يا خيل اللَّه اركبى ويا يد النصر اكتبى ، وقامت الحرب على ساق * ( والْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ . إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ ) * [ 7 ] ، وأتى العدوّ جملة واحدة ، وحمل حملة أمست بالنفوس جائدة ، ونكب عن الميسرة وقصد الميمنة
--> [ 1 ] كذا في ف وفى ص « برأتها » . [ 2 ] كذا في ص ، وف . وفى السلوك 1 : 1031 « لم ييئسها » . [ 3 ] الخميس : الجيش ( المعجم الوسيط ) . [ 4 ] الحرب الزبون : الشديدة ( المعجم الوسيط ) . [ 5 ] كذا في ف . وغير واضحة في ص . وفى السلوك 1 : 1031 « مهزومة » . [ 6 ] كذا في السلوك 1 : 1031 . وغير منقوطة في ص ، وف . [ 7 ] سورة القيامة الآيتان 29 و 30 .