النويري

21

نهاية الأرب في فنون الأدب

ما برح بها إلى الخلائق محسنا ، ودين متين يشيد من أمور الآخرة ما بنا ، وسؤدد ما زال فيه وفى بيته مستوطنا ، وأوصاني جميلة خصته بنباهة أضحى بها متقدما [ وآراء مسددة أضاءت من سبل ] الرشاد ما كان مظلما ، ونزاهة ما زالت له خلقا لا تخلقا ، وعفاف ما برح منه مثريا لا معلقا . فليباشر هذا المنصب الذي أضحى ظل شرفه وارفا ، وكعبة حرمه التي يتوجه إليها من كان باديا أو عاكفا ، عاملا فيه بالتقوى التي يحافظ عليها مسرا ومعلنا ، ويتمسك بأسبابها إذا صد عنها غيره وانثنى ، فهي المعقل الذي لا يستباح له حمى ، والمقام الذي يجد الخائف أمنه فيه محققا لا غيبا مرجّما « 1 » ، والعصمة التي تنجى من العطب ، والمركب الذي تجد به الأنفس راحتها الكبرى بعد التعب . وليول من القضاة من يحيى من الحق سننا ، ويميت من الباطل بدعا ، ويكون رجاؤه بالآخرة متصلا ، ومن الدنيا منقطعا ، ليرجع به سبيل الحق بعد ضيقه متسعا ، وشمل الباطل بعزيمته مفترقا لا مجتمعا . وليتفقد أمر العدول الذين أضحوا على الحقيقة عدولا عن المنهج القويم ، راغبين عن المحامد بما يأتوته من كل وصف ذميم . ولا يترك منهم إلا شاهدا كان عن المعايب غائبا أو متورها ، لا يعتمد من الأمور إلا ما كان واجبا ، لتسلم عدالته من وصمه التجريح ، وتظهر مساعيه التي تذلل له من العلا كل جموح . وأموال الأيتام والأوقاف فلا يباشرها إلا من كان لمباشرتها أهلا ، ومن تتحقق أنه يكون عليها قفلا . فطالما ابتذلت أيدي الخونة منها مصونا ، وجعلت

--> « 1 » في الأصل ، « عيبا مركما » والتعديل يقتضيه السياق المألوف .