النويري
343
نهاية الأرب في فنون الأدب
والذي أعرّفك به يا ولدى : لمّا نزل العدوّ على زمن الشّهيد « 1 » - رحمه اللَّه - على دمياط ، ما كان فيها سوى الوالي والكنانيّة ، وأهلها حفظوها إلى أن وصل الشّهيد من القاهرة ، وعسكر مصر من الشام . وما قدر العدو ينزل برّ دمياط ، وما كان فيها ذخيرة شهر واحد . فلما اختلف العسكر على الشّهيد - رحمه اللَّه - وتحزّبوا - مثل ابن المشطوب « 2 » والأكراد - مع الملك الفائز ، غضب الشّهيد ، وساق إلى أشموم . وتبعه العساكر ، وتركوا جميع الخيم والقماش . وخرج من دمياط من خرج ، والوالي . وما بقي فيها إلا أهلها . وغلَّقوها وقعدوا فيها وحفظوها ، إلى أن مات أكثر من فيها والباقي تكشّحوا ، وخلت الأصوار من المقاتلين . فصعدت الفرنج وأخذتها ، بعد أن تعبوا من النّقوب من تحت الأرض ، وشربوا بالبتاتى ، والزحف عليها من جميع الجهات ، وما قدروا يأخذوها . وأنا قويّت دمياط ، وملأتها ذخائر من كل شئ ، يكفيها عشرين سنة ، مع ما كان عند أهلها من الذخائر . واكشف من الديوان يعرّفوك ما كان فيها من الخيرات . وقويّتها بجميع عسكر الديار المصرية ، من فارس وراجل ، ونقدى ، وما خليت لها عذر ، حتى بقيت وحدى في أشموم بسبب المرض .
--> « 1 » يقصد والده : الملك الكامل بن العادل . « 2 » الأمير أحمد بن علي الهكّارى - الذي عرف بابن المشطوب . تقدم ذكره وأخباره في أوائل الكتاب .