النويري
342
نهاية الأرب في فنون الأدب
قلبها ، واجعلها حاكمة على جميع أمورك وأموالك . ولا يبدو منك كلمة تضيّق صدرها ، ولا توجع لها قلبا أبدا ، ولا من يتعلق بسببها ، ولا من يضيق صدرها بسببه . ولا تخرج عن رأيها وتدبيرها . وهذه وصيتي فلا تخالف أمرى . واخدمها كما تخدمني ، واحترمها كما تحترمنى . ولا تجعل على يدها يد . والوصية بجميع العيال ، أحسن إليهم فلهم علىّ خدمة . ولا تقصّر في حق الصغير منهم والكبير . واحفظ وصيتي ، فمتى خالفتنى يروح منك الملك ، وتكون عاقّا لي . وكتبت هذه الوصية ولم يطلع عليها أحد ، لئلا تضيق صدورهم . وكتبتها في مدة طويلة . واعلم يا ولدى أن الملك في ابتداء ملكه كمثل الشّجرة في ابتداء طلوعها ، فيأتي ريح يهب عليها يحرّكها ، وربما يقلعها من أصلها . فإذا مضت عليها الأيام والسنين قوى أصلها ، واشتد ساقها ، فلا تحركها الرياح العواصف . فاعلم يا ولدى إشارتى ، وتنبّه لغرضى . وإن ضاق صدرك من شخص فاحتمله ، وأحسن إليه تحسن سيرتك ، ويحبّك عدوّك . ولا تعجل بالعقوبة . واعلم أن الناس أعداء لبعضهم البعض ، فلا تسمع كلام أحد دون أن تقابل بينه وبين خصمه ، ولو أتاك مقطوع اليد . فربما خصمه أسوأ حالا منه . فإذا عرف هذا منك ، تقلّ الشّكاوى والرّفاعات « 1 » ، ويستريخ خاطرك .
--> « 1 » أي ما يرفع من الشكاوى ، أي الشكاوى المكتوبة .