النويري
105
نهاية الأرب في فنون الأدب
أذلَّاء في المواطن لإقلالهم . لم يخلص لهم إلا النّزر اليسير ، والشىء الحقير ، والقليل من الكثير مقدار أزوادهم إلى مواطنهم ، وكفافهم إلى وصول مساكنهم . هذا ، ولم يعلم السبب في وقوع النار . فقال قوم : صاعقة سمائية ، وقال قوم : آفة أرضية . وتزاحمت في ذلك الظنون ، وعند اللَّه من علمه السّرّ الكنون . إلا أن المملوك أرسل عليه من الماء طوفانا ، وأجرى اليه بحارا - ولا أقول غدرانا - إلى أن عاد غريقا بعد ما كان حريقا ، وصار موردا بعد ما كان موقدا . وأصبح ماء ثجّاجا « 1 » بعد ما كان سراجا وهاَّجا . وعلموا أن المدفوع من بلاء اللَّه أعظم ، وقرأوا : « ولكن اللَّه سلَّم » . أنهى المملوك ذلك ، ليطالح بخفىّ الأحوال وجليّها ، حتى لا يخفى عن علمه السامي خافية - لا زالت أنوار المملوك بذلك المقام متوالية متلالية - إن شاء اللَّه تعالى . وفيها ، في العشر الآخر من شعبان ، صرف قاضى القضاة تاج الدين ابن الخرّاط « 2 » عن القضاء ، بمصر والوجه القبلي . وسبب ذلك أن إحدى بنات مرزوق العلائي تزوجت بإنسان علَّاف اسمه داود ، وهو غير كفء لها . فاستدعاه السلطان إلى المنصورة ، وعقد له
--> « 1 » ثجّ الماء : سال . والثّجيج : السيل . ثجّاجا : سيّالا ، أو منهمرا . « 2 » هو : عبد السلام بن علي بن منصور الدمياطي المعروف بابن الخراط . ولد بدمياط ، ورحل إلى بغداد فتفقه بها ، وتميز في الفقه والخلاف ، ورجع إلى بلده فأقام بها قاضيا مدرسا ، ثم ولى قضاء مصر والوجه القبلي . ولد سنة 571 ه . ومات سنة 619 ه . ( حسن المحاضرة : ج 1 - ص 172 )