النويري

104

نهاية الأرب في فنون الأدب

وزحفت الخطوب إليه زحفا ، وصار للوقت دكا دكَّا . والناس حوله صفّا صفّا . هذا ، ولسان النار يقول : هل من مزيد ؟ ومدامع الخلق تهمى وتزيد ، فعلت الأصوات عند ذلك بالدعاء ، وكاد اللهب يخمد من جريان ماء البكاء ، وشهد الناس منه اليوم المشهود . وهبّت الأرياح فلم تخمد للأرواح ضراما ، وخالفت هذه النار نار الخليل « 1 » ، فلم تعقب بردا وسلاما ! فكلّ مالك لموضع صار فيه « مالكا « 2 » » . وكلّ ذي حال حسنة حاله حالكا . فمن فائز بنفسه دون نفائسه ، ومن راغب في هربه لشدة رهبه ، ومن آبق « 3 » بمرده « 4 » دون أهله وولده . قد لزم كل منهم ما يعنيه ، وعمل بقوله عز وجل : « يوم يفرّ المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ، لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه » . فإنا لله وانا اليه راجعون ، ولأمره طائعون . لا صادف لمصادف قضائه ، ولا صارف لصرف بلائه . لم يبق هذا المصاب لهؤلاء القوم جلدا ، ولم يؤخّر عنه حزنا ولا كمدا . وكلّ أحد منهم يقول : أهلكت مالا لبدا « 5 » . فكم من كريم كان يجزل الهبات فصار جديرا بأن يتصدّق بها عليه . وكم من مموّل كان يؤدى الزكاة فصار مستحقا بأن تصرف إليه . كانوا أعزّاء في الغربة بأموالهم ، فصاروا

--> « 1 » إبراهيم - عليه السلام . « 2 » يقصد « مالكا » خازن النار . « 3 » آبق : هارب . « 4 » غلمانه . « 5 » « مالا لبدا » : أي كثيرا . « التبدت الشجرة : كثرت أوراقها » « القاموس »