النويري

428

نهاية الأرب في فنون الأدب

وخمسمائة . فكان أول ما بدأ به أنّه خرج إلى يزكيّة السّلطان وقاتلهم ، فقتل من أصحابه وجرح خلق كثير ، وانكسروا ورجعوا إلى المخيّم غروب الشّمس من ذلك اليوم ؛ وقتل من المسلمين اثنان وجرح جماعة . فلمّا عاين ذلك رجع إلى قتال من في البلد ، واتّخذ من آلات الحصار ما لم ير قبل ذلك مثله ، فكان ممّا أحدثه آلة عظيمة تسمّى دبّابة يدخل من تحتها المقاتلة ، وهى من الخشب الملبّس بصفائح الحديد ، ولها من تحتها عجل يحرّك من داخلها حتى تنطح السّور بشدّة عظيمة فتهدمه بتكرار نطحها ، وآلة أخرى وهى قبو فيه رجال تسحبه وفيه كبش ، ورأس تلك الآلة ممدة شبه سكَّة المحراث ، ورأس الكبش مدوّر ، هذا يهدم بثقله ، وتلك تهدم بحدّتها وثقلها ، وهى تسمّى سفودا « 1 » ، وأعد السّتائر « 2 » والسّلاليم وغير ذلك ؛ وأعدّ في البحر بطشة عظيمة وصنع فيها برجا بخرطوم إذا أرادوا قلبه على السّور بحركة انقلب بحركات ويبقى طريقا إلى المكان الذي ينقلب عليه تمشى عليها المقاتلة ، ونصب المجانيق وحكَّمها على السّور ، وتوالت حجارتها حتى أثّرت فيها أثرا بيّنا فأخذ المسلمون سهمين عظيمين من سهام الجروح وأحرقوا نصالهما حتّى بقيا كالشّعلة من النّار ثم رميا في منجنيق الفرنج فاحترق ، واتّصل لهبه بالآخر فأحرقه « 3 » . ثمّ زحف العدوّ على البلد في شهر رمضان في خلق كثير ، فأمهلهم أهل البلد حتى سحبوا آلتهم المذكورة وقاربوا أن يلصقوها بالسّور ويحصل منهم في الخندق جماعة كثيرة ، فأطلقوا عليهم الجروخ

--> « 1 » مفرج الكروب ج 2 ص 334 . « 2 » ستارة : ستائر : وتتخذ من الجلود واللباد ، وتبلل بالخل والشب والنطرون لوقاية الأبراج والدبابات الخشبية والسفن من قذائف النفط - مفرج الكروب ج 2 ص 303 هامش 5 . « 3 » انظر النوادر السلطانية ص 140 - 141 ، مفرج الكروب ج 2 ص 336 .