النويري
418
نهاية الأرب في فنون الأدب
المسلمون البلد وخرجوا منه ، واتصلت الطريق وزال الحصار . وأدخل السّلطان إلى البلد [ 129 ] من أراد من الرّجال ، وما أراد من الذّخائر ، والأموال ، والسّلاح ؛ فكان من جملة من أمره السلطان بالدّخول إليها الأمير حسام الدين أبو الهيجاء السّمين . وقتل من الفرنج في هذا اليوم خلق كثير . ثم كانت بينهم وقعات في ثامن شعبان ، وتاسعه ، وعاشره ، وحادى عشره . ثمّ كانت وقعة في تاسع عشر شعبان بين أهل عكَّا والعدوّ فقتل من في الطَّائفتين وجرح . ثم كانت الوقعة الكبرى في الحادي والعشرين من شعبان وذلك أن الفرنج اجتمعوا وتشاوروا ، وقالوا إن العسكر المصرىّ إلى الآن ما قدم وهذا فعل السّلطان ، فكيف إذا قدمت عساكره فأجمعوا رأيهم على مناجزة الحرب . وكانت عساكر السّلطان متفرّقة : منها طائفة في مقابلة أنطاكية تمنع صاحبها من الإغارة على الأعمال الحلبيّة ؛ وطائفة على حمص في مقابلة طرابلس ؛ وطائفة تقاتل من بقي بصور ؛ وطائفة بالدّيار المصرية لحماية ثغرى الإسكندرية ودمياط ، ومن بقي من العسكر المصري إلى الآن لم يصل ؛ وهذا ممّا أطمع الفرنج في الظَّهور . قال : وأصبح المسلمون في هذا اليوم على عادتهم ، منهم من يتقدّم إلى القتال ومنهم من هو في خيمته ، ومنهم من قد توجه في حاجته . فخرج الفرنج من معسكرهم كالجراد المنتشر قد ملأوا الأرض ، فكانت وقعة عظيمة ابتداؤها على المسلمين ، ثم أنزل اللَّه نصره عليهم ، فهزموا الفرنج أقبح هزيمة ، وقتل منهم من رؤسائهم عشرة آلاف ، وقتل من المسلمين في هذه الموقعة من الغلمان ومن لم يعرف مائة وخمسون ، ومن المعروفين الأمير مجلى بن مروان ،