النويري
403
نهاية الأرب في فنون الأدب
قال العماد : وفوّض السّلطان القضاء والحكم والخطابة وجميع المناصب الدينيّة بمدينة عسقلان وأعمالها إلى جمال الدّين عبد اللَّه بن عمر الدّمشقى ، وهو المعروف بقاضى اليمن . ذكر فتح البيت المقدس قال المؤرخ : لمّا فرغ السّلطان الملك النّاصر من أمر عسقلان وما يجاورها سار إلى البيت المقدّس ، فكان وصوله إليه في يوم الأحد الخامس عشر من شهر رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة . وكان به البطرك المعظَّم عندهم ، وهو أعظم شأنا من ملكهم ، وبه أيضا ياليان بن بارزان صاحب الرّملة ومن خلص من فرسان الفرنج من حطَّين ، واجتمع به أهل عسقلان وغيرها ، كلَّهم يرى الموت عليه أهون من أن يملك البيت المقدّس . فنزل السّلطان بالجانب الغربىّ وأقام خمسة أيّام يطوف حول البلد لينظر من أين يقاتله . ثمّ انتقل إلى الجانب الشّمالىّ يوم الجمعة ، العشرين من الشّهر ، وكانت عدّة من به من المقاتلة ستّين ألفا غير النّساء والصّبيان فنصب السّلطان المجانيق في تلك اللَّيلة ، ونصب الفرنج على السّور مجانيق أيضا ، وقاتلوا أشد قتال رآه النّاس لأنّ كلَّا من الفريقين يرى ذلك عليه من الواجبات لا يحتاج فيه إلى سلطان . وكانت خيّالة الفرنج يخرجون في كلّ يوم إلى ظاهر البلد فيقاتلون ويبارزون . وتوالى الزّحف ، ونقب المسلمون السّور مما يلي وادى جهنّم . فلما رأى الفرنج ذلك أخلدوا إلى طلب الأمان ، وبعثوا جماعة من أكابرهم في ذلك ؛ فامتنع الملك النّاصر من ذلك وقال : لا أفعل بكم إلَّا كما فعلتم بأهله حين ملكتموه في سنة إحدى وسبعين وأربعمائة من